النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عودة إلى حقوق الإنسان

رابط مختصر
العدد 8964 الجمعة 25 أكتوبر 2013 الموافق 20 ذو الحجة 1434

ليس عيباً أن نعترف بأننا كنا نتهجى ثقافة الحقوق بمعناها الإنساني الكوني الواسع في مخيلتنا مذ أدركنا أهمية أن يكون الوطن جامعا لمختلف المكونات، مانعا للانزلاقات الطائفية كالتي تذهب بنا إليها الجمعيات الغارقة في ذهنية المذهبية، مثلما تهجاها من قبلنا رعيل ضحى من أجل هذه البحرين ولم يدرك وجودها حقيقة. تهجي هذه الثقافة لم يأت من فراغ. لقد استزرعت ثقافتنا الوطنية هذه الثقافة وأشاعتها عقيدتنا الإسلامية، وتقاليدنا المتوارثة أبا عن جد وكرستها المدرسة البحرينية، بل وتعمل على إذاعتها وضمان استمرارها رأس مال رمزي لا تمام للمستقبل إلا به، فكيف بالحاضر؟! ولذلك كانت بنية هذه الثقافة قوية في ممارسات الناس البينية. ولعل أهم هذه الممارسات وأبلغها أثرا في تشكيل نسيجنا البحريني الوطني الأصيل القوي: التسامح. لهذا لا ينبغي أن نتصور أن آباءنا ارتضوا بما يسيء لإنسانيتهم حين جذروا مختلف ممارساتهم الطيبة قيما مشتركة ومرجعية سلوكية بل ومعيارا مازوا به الخبيث من الطيب، ولعلني أعني بذلك أن الجمعيات المذهبية اليوم حين تتشدق بمفاهيم التسامح وحقوق الإنسان لا تطرق بابا جديدا ولا تبشر بثقافة جديدة غريبة عن مجتمعنا البحريني، بل لعلها في متاجرتها بهذه المفاهيم كمن يرغب في خلع باب مفتوح. أقول هذا لأني أعتقد أن هذه الجمعيات لم تكن يوما صادقة في تعاملها مع منظمات حقوق الإنسان؛ إذ اعتبرتها زبونا ممكنا تنطلي عليه خدع تلبيس الطائفية وإخراجها في ثوب حقوقي يتخذ من مقولات حقوق الإنسان شعارا براقا، ولهذا أساءت هذه الجمعيات إلى سمعة البحرين لدى هذه المنظمات، بل وشوهت سمعة هذه المنظمات لدى قطاعات واسعة من الشعب البحريني تشويها ضاعفت وقعه بيانات بعض من تلك المنظمات التي ما وقفنا يوما عند بيان لها يندد بما يستهدف رجال الأمن والمواطنين من عمليات إرهابية تنوعت بين الرمي بالزجاجات الحارقة والسحل والتفجير... تنوعا يشهد لمرتكبيها بالهوة الكبيرة الفاصلة بينهم وبين احترام حقوق الإنسان وتقديسها والدفاع عنها. إن ثقافة حقوق الإنسان شأن نبت في تربة هذه الأرض الكريمة وتأسس فيها وعليها من دون أن يغفل شعبنا البحريني عن الإفادة من المنظمات الدولية. ولهذا وقعت مملكة البحرين على كثير من الاتفاقات عن وعي، وليس كما يشيعه المذهبيون من أن ذلك حصل في غفلة منها على أيادِ مشبوهة الولاء والانتماء. لقد تأخرت قافلة حقوق الإنسان، بمعناها المتفق عليه أمميا، في الوصول إلينا لكننا ولله الحمد والمنة قد بلغنا منانا وبدأنا نتفاعل مع الجهد الإنساني العظيم قبل غيرنا من دول كثيرة يتشدق بها المذهبيون مثالا لحراكهم؛ لتتساوى حقوق الإنسان البحريني بحقوق الإنسان من أين جاء ومن أين انحدر. ويكفي نظامنا السياسي فخرا أن قيادة هذا النظام، كعادتها دائما، قد استجابت لما يريده الشعب. نعم، لقد كان حلما أن نرى في الواقع من يدافع عن حقوق الإنسان في بلداننا العربية قبل ثلاثين عاما مثلا، ومنذ سنوات قليلة مضت أصبحت أعداد هذه المنظمات تسد عين الشمس، وهذا جيد؛ لأنه يشير إلى تنامي الوعي بأهمية الدفاع عن حقوق الإنسان الطبيعية. ينبغي القول إن المنتهكة حقوقهم كانوا ممنوعين من الجأر بالشكوى من ظلم أو من قهر، ومن العيب أننا نخفي هذه الحقيقة. لقد كانت الشكوى من المحرمات التي تعاقب عليها قوانين الدول العربية وخصوصا الأنظمة العربية الاستبدادية التي صعدت إلى سدة الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية. وقد شكل هذا الظلم وهذا القهر المتراكم مقدمات لانفجارات اجتماعية وسياسية سارع الإعلام والمؤسسات الحقوقية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى وصفها «ربيعا عربيا». مملكة البحرين وبعض الدول العربية مثل تونس والمغرب والأردن قد قطعت شوطا مهما في الاهتمام بحقوق الإنسان، وإنشاء المؤسسات ذات العلاقة بهذه الحقوق. وإذا ما تحدثنا عن البحرين تحديدا فإننا سنرى بأنه مع العهد الزاهر للمك حمد قد بدأت مملكتنا تخطو خطوات مهمة في تعزيز حقوق الإنسان وذلك بالانضمام إلى معاهدات والتوقيع على اتفاقيات دولية، مما يعكس البعد الإنساني الذي يسكن في النظرة الشاملة لعاهل البلاد إلى الإنسان البحريني. وعلى الرغم مما بذل من جهد في ترسيخ مفاهيم حقوق الإنسان واحترام منظماته ومؤسساته فإننا اليوم نعيش تناقضا قريبا مما عايشه الناس في حقبة ما مع ما نعيشه الآن. ولك أن تسألني أيها القارئ الكريم عن «التناقض» الذي أعنيه، سؤالا إجابته عندي أن الناس قد صارت تجأر أحيانا بشكواها من منظمات حقوق الإنسان ذاتها!! وإنه لأمر محير حقا، ولكنها مع الأسف كبد الحقيقة في ما تعرضت له البحرين من مكائد دبرها بعض ممن يتحدثون عن البحرين وقلوبهم معلقة بطهران. من قراءاتي في حقوق الإنسان قرأت لأحدهم كلاما منطقيا يحكي ما كان يُفترض أن يكون، وقد كان عيبه الوحيد، في ظني، أن ذاك الكلام المنطقي كان مغلفا بسلوفان رومانسي، الأمر الذي دفعني دفعا إلى كتابة هذا المقال. فما الكلام الذي قرأته أنا ووجدت فيه عيبا واحدا؟ تابعوا ما قاله الكاتب في الأسطر القليلة الآتية، فإنها أسطرا تستحق التأمل. «الإنسان عليه واجب ومسؤولية كبيرة في أن يحترم نفسه أولا ومن ثم يحترم القوانين والأنظمة ويحترم سيادة القانون وهيبة الدولة ويحترم عاداته وتقاليده ودينه وثقافته وبيئته وأن يكون منتميا لوطنه أو المكان الذي يعيش فيه. إذا تحققت هذه الأمور فلا داعي لحقوق الإنسان من الأساس.» وجدت في هذا الكلام فضاء يستحق أن أعقد معه مقارنة بالإنسان المذهبي المنتمي إلى جمعية «الوفاق» وأخواتها؛ لأقول للكاتب الذي يستنكر عمل منظمات حقوق الإنسان بأن وجود مثل هذه المنظمات ضروري لمراقبة ما على الإنسان من واجب ومسؤولية تجاه أخيه الإنسان، لكن بشرط أن تعمل هذه المنظمات وفق ما يمليه الضمير البشري وليس وفقا لما يتطلبه الموقف السياسي أو المصلحة الآنية. ما أسلفت ليس شأنا مدرسيا وإنما هو فاصلة ضرورية أعود بها إليكم بعد أن بينت في معرض حديثي بأن الجمعيات السياسية المذهبية، وحتى اليسارية، بالقدر الذي قد أساءت فيه إلى مملكة البحرين فإنها قد شوهت عمل المنظمات الدولية؛ ذلك أن على المؤسسات أن تدقق في الواجبات التي ينبغي على الإنسان أن يؤديها في بلده في مقابل الحقوق التي يتحصل عليها. إنه ليحق لنا أن نسأل على سبيل المثال: هل أن الجماعات المذهبية التي يظهر جرح البحرين من أفعالها جليا تحترم القوانين والأنظمة وسيادة القانون؟ هل أنها تراعي عادات وتقاليد ودين وثقافة وبيئة المجتمع الذي هي جزء منه؟ هل حقا هم منتمون إلى هذا الوطن؟ ختمت بمجموعة أسئلة أتمنى على الجمعيات المذهبية، وعلى أذرعها الحقوقية أن تقاربها مع ما تدعيه وما تعمل من أجله، فلعل في ذلك درسا ذاتيا يستفيد منه الوطن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها