النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11930 الإثنين 6 ديسمبر 2021 الموافق غرة جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الهند هندك لي قل ما عندك

رابط مختصر
العدد 8964 الجمعة 25 أكتوبر 2013 الموافق 20 ذو الحجة 1434

كنت أحاضر ذات مرة أمام جمع من الوزراء والدبلوماسيين والمثقفين والمؤرخين حول العلاقات الهندية ـ الخليجية ماضياً وحاضراً. وكان من ضمن ما قلته كاستنتاج أننا في الخليج لمدينون بالكثير للهند والهنود. ويبدو أن هذه العبارة تحديداً استفزت أحد الوزراء الحاضرين فاختلى بي بعد المحاضرة، لا ليشيد بما تضمنتها من حقائق وأرقام وأحداث، وإنما ليوبخني قائلاً: أنْ تثني على الهند والهنود، وتعجب بهم، وتطريهم فهذا شأنك، لكن أن تقول إننا مدينون لهم فهذا كثير. والجزئية الأخيرة قالها باللهجة العامية «هذا الناقص»! ولو أن معالي الوزير صاحب المقولة كان من أبناء الجيل الجديد غير القارئ والمتمعن في تاريخ الآباء والأجداد لعذرته، لكن الطامة الكبرى أنه كان من الجيل القديم، بل ممن لهم مساهمات في كتابة التاريخ المعاصر! سوف أؤجل الخوض في عنوان المقال لأتساءل وأسأل معاليه بضع أسئلة: • هل كان الخليج قبل اكتشاف النفط قادراً على البقاء دون مهنة الغوص بحثاً عن اللؤلؤ؟ • وهل كان بمقدور أهل الخليج في ذلك الزمن أن يجدوا سوقاً قريبة لتصريف محصولهم من اللؤلؤ الطبيعي لولا وجود سوق «مورتي بازار» في بمبي الهندية؟ • وهل كان بإمكان آبائنا وأجدادنا من الرعيل الأول طلب الاستشفاء من الأمراض، ونيل العلوم والمعارف، والتعرف على أحدث الاختراعات والسلع العصرية والأفكار الحديثة لولا سفرهم إلى الهند التي فتحت لهم أبوابها وأكرمت وفادتهم وتسامحت معهم إلى الحد الذي اتخذ بعضهم منها وطناً ثانياً؟ • وهل كان بإمكان الخليجيين في بدايات القرن العشرين، يوم كانت المعارف والقدرات المحلية متواضعة أو شبه معدومة، أن يضعوا اللبنات الأولى للدولة المدنية الحديثة دون الاستعانة بالكوادر الهندية المتعلمة والمدربة في مختلف الحقول؟ • ثم هل بالإمكان أن ينسى البحرينيون ـ على الأقل ـ أن أول طبيب جاءهم لينقذ الغاصة من الأمراض والأوبئة المعدية، ويعيد لهم عافيتهم كي يمارسوا نشاطهم الوحيد قبل اكتشاف النفط كان هندياً يدعى «بندركار»، وهل بإمكانهم أن ينكروا أن أول من نظم وأدار شؤون الجمارك والبريد والهجرة والزراعة كانوا هنوداً من ذوي الياقات البيضاء؟ • وهل بمقدور أحد أن يجادل في حقيقة أن أول مطبعة لطباعة أول صحيفة بحرينية (صحيفة البحرين) جاءت فكرة جلبها من رائد الصحافة «عبدالله الزايد» الذي عاش في الهند وتأثر بصحفها ومدى أهميتها في المجتمعات الحية، وأن تأسيس أوائل الأندية الثقافية والأدبية في البحرين كان من ثمار من ترددوا على بمبي وشاهدوا فيها نماذج من تلك الأندية وما كان يدور فيها من نقاشات فكرية ثرية؟ لكل هذه الأسباب وغيرها كثير هناك إجماع على الدور الحيوي الذي قام به الهنود، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في ازدهار منطقة الخليج في وقت كانت فيه المنطقة منسية عربياً، وغير مرتبطة بشقيقاتها العربيات، وخالية من الثروات والكفاءات، وتئن من الجهل والفقر والمرض. ولهذه الأسباب أيضاً قيلت العبارة الخالدة «الهند هندك لي قلّ ما عندك»، وهي عبارة تختصر كل شيء لأنها ببساطة تقول لك «ليس أمامك سوى الهند عندما تشتد عليك الضغوط وتقل حيلتك في مواجهة المصاعب». لقد وجد الآباء والأجداد الخليجيون في البحرين وقطر والكويت ومشيخات الساحل والسعودية في الهند كل ما يسرهم، ويرفع من صيتهم التجاري، ومكانتهم العلمية والفكرية، خصوصاً وأنها عـُرفت ـ على خلاف غيرها من الأوطان ـ كبلد آمن ومستقر، يكرم ضيوفه، ويتيح لهم فرص الإقامة والعمل والحركة دون منة. وكانوا هم من جانبهم ـ إذا ما أفاء الله عليهم بالرزق الوفير – لا يبخلون في الإنفاق على الهنود، بناء للجوامع والمدارس وبيوت الضيافة ودور الأيتام ومعاهد تعليم العربية. وهذا تحديداً ما قام به كبار تجار اللؤلؤ والسلع الأخرى من الخليجيين ممن أثروا من وراء التجارة مع الهند والهنود من أمثال آل البسام وآل القاضي وآل القصيبي وآل الفوزان وآل الفضل من نجد، وآل زينل وآل عبدالجواد وآل الصبان وآل باناجه من الحجاز، وآل عبدالرزاق وآل صانع وآل إبراهيم وآل مشاري وآل الشايع وآل الخالد وآل شاهين الغانم وآل ثنيان الغانم وآل المرزوق وآل الفليج وآل الحميضي وآل الصقر وآل غربللي وآل الخرافي وآل الهارون وآل الجسار وآل الرومي من الكويت، وآل الزياني وآل فخرو وآل مطر وآل مصطفى عبداللطيف بستكي وآل كانو من البحرين، وآل المدفع من الشارقة وآل الصايغ وآل بدور وآل لوتاه وآل النومان وآل نابوده من دبي، إضافة إلى الشيخ قاسم بن محمد آل ثاني المؤسس الحقيقي لدولة قطر الذي حقق أموالاً طائلة من وراء التجارة في بمبي قبل أن يصادر الإنجليز ثروته ويطردونه من الهند رداً على طرده للهنود من قطر، والمرحوم خليل بهزاد من أهالي لنجة، والمرحوم محمد فاروق وأخوه محمد صديق ابنا محمد عقيل وهما من «بستك» في بلاد فارس وعملا في تجارة اللؤلؤ في بمبي ودبي وكان لهما محل في باريس، بل أن محمد فاروق اقترن بامرأة فرنسية. ولا يزال عبق هؤلاء الرجال الميامين يفوح من جنبات الأحياء العتيقة في شارع «محمد علي رود» وهو شارع كان قديماً بمثابة شانزليزيه بمبي وكانت تحف به من الجانبين المسارح ودور السينما والمقاهي والمطاعم والمتاجر الفخمة والحانات وتــُغسل أرصفته كل صباح بالماء والصابون، وشارع «إبراهيم رحمة الله رود» وهو شارع متفرع من الأخير، وشارع «كولابا» التي كانت بها قصور ودواوين ومكاتب آل إبراهيم الكويتيين أمراء اللؤلؤ بحسب وصف تاجر المجوهرات الفرنسي «كارتييه» في كتابه «مجوهراتي فوق العادة»، ومنطقة «كرفورد ماركت» وهو السوق التي كانت تـُعرض فيها الفواكه والخضار والأسماك واللحوم الطازجة، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى أول عمدة إنجليزي لمدينة بمبي، و»بندي بازار» وهو سوق الحراير والبخور والمصوغات والزري، ومنطقة «تشيرتش غيت» حيث تقع محطات القطارات، وإحداها تحمل اسم محطة منزل جاسم نسبة إلى جاسم المشاري الذي تولى منذ عام 1908 إدارة أملاك عائلته في بمبي، المدينة التي عشقها أبناء الرعيل الخليجي الأول كما لم يعشقوا سواها، وكتبوا القصائد في مدح مزاياها وتسامح أهلها، وإعتبروها كباريس ولندن وجنيف عند جيل اليوم. والحقيقة التي لا مراء فيها ـ وهي على أي حال - موثقة في أمهات المؤلفات الخاصة بتأريخ أوضاع الخليج في العصر الحديث، هي أن ارتباط منطقتنا بشبه القارة الهندية يعود إلى أقدم العصور، وتحديداً حينما نشأت روابط تجارية ما بين حضارتي بلاد الرافدين ووادي الإندوس. غير أن هذا الارتباط أخذ أشكالاً أكثر قوة وعمقاً وتأثيراً، وأوسع تشعباً وتنوعاً حينما وقعت معاهدات الحماية بين بريطانيا العظمى ومشيخات الخليج العربي، فصارت الأخيرة تدار من قاعدة حكومة الهند البريطانية في بمبي. وهذا التطور كان إيذانا بفتح أبواب الهند على مصراعيها لآبائنا وأجدادنا في الخليج للغرف من كنوز وعلوم وحضارة الهند، والإستفادة من موقعها وتجارتها وأسواقها وصرعاتها. لذا فإنه ليس بالمستغرب أن نجد الهند حاضرة بقوة في مورثنا الشعبي عبر القصة والأحزية واللهجة العامية والقصيدة والأغنية والنغمة والوجبة والملبس والأثاث. وقد تطرقت الدكتورة نورة محمد القاسمي من الشارقة إلى الكثير من الأمثلة والنماذج التي تعزز ما قلناه في كتابها القيم الموسوم بـ «الوجود الهندي في الخليج 1820 – 1947. فاللهجة الخليجية العامية مثلاً مطعمة بالكثير من المفردات ذات الجذور الهندية، وكذا المطبخ الخليجي الذي يشتمل على العديد من الأطباق الهندية. وفي مجال الموسيقى والغناء تأثرت الألحان الخليجية بالايقاعات الهندية الراقصة، كما وأن أصل ومصدر المرواس المستخدم في فن الصوت الخليجي هو الهند. وتقول بعض المصادر إن أول من حاول إدخال شيء من الإيقاعات الهندية على فن الصوت هو الشاعر الفنان خالد الفرج (الذي نشأ في الهند وتعلم فيها الإنجليزية والهندية والموسيقى ويُعزى إليه وضع أصول الموسيقى الكويتية) وذلك من خلال صوت «في هوى بدري وزيني». أما فيما يتعلق بأغاني وحزاوي الأطفال فنجدها أيضاً لا تخلو من الإشارة إلى حيوانات أو أطباق أو بضائع أو عملات هندية. إلى ذلك تأثرت ملابس نساء الخليج ومجوهراتهن – سواء لجهة الخام أو الألوان أو النقوش بالفنون والنقوش والألوان الخاصة بالتطريز وصناعة الحلي الذهبية والفضية في الهند. ولعل أبرز تجليات ذلك يظهر في ما ترتديه النسوة في مسقط ومطرح العمانيتين من ملابس ومجوهرات. وقد امتد التأثير الهندي إلى ملابس الرجل الخليجي في بدايات القرن العشرين من خلال الثوب الململ، والصديري، والوزار المليباري، والغترة البيضاء المشجرة، والغترة المطرزة من الصوف الكشميري، مثلما إمتد إلى قطع الأثاث والمفارش والوسائد ومرايات الغرف والمجالس ذات النقوش الطاووسية وأسرة العرسان ذات الأعمدة الرمانية. وقد وصل التأثير الهندي حتى إلى الأزياء الموحدة لطلبة المدارس الكويتية في الأربعينات. حيث تشير مجلة «البعثة» الكويتية في عددها الصادر في إبريل 1947 أنه حينما قرر مجلس المعارف الكويتي في عام 1947 توحيد الزي المدرسي استعار زي التلاميذ الهنود المكون من قميص أبيض وسروال كاكي قصير، وأوصى باستيراد خمسة آلاف طقم منه من بمبي. وهذا مشابه تقريباً لما كان موجوداً في البحرين في حقبة ما قبل الاستقلال لجهة ملابس رجال الشرطة التي كانت عبارة عن عمامة تتدلى منها جدايل حمراء وتعلوها ريشة، وقميص وسروال قصير كاكي اللون. وإذا كان البريطاني «مايكل فيلد» قد تحدث في كتابه الموسوم بـ «البيوتات التجارية في الخليج العربي» عن دور الهند في إثراء هذه البيوتات واعتمادهم عليها في جمع المليون الأول من الروبيات في مسيرتهم العملية الناجحة، مشيراً إلى عائلات كانو في البحرين، والغانم في الكويت، وزينل علي رضا في الحجاز، والقصيبي في الأحساء والبحرين، وآل سلطان في مسقط، فإن الباحث البحريني بشار الحادي أضاف شخصيات بحرينية أخرى من تلك التي أثرت من وراء الهند عبر تسويقها للؤلؤ الطبيعي واستيرادها لمختلف السلع ابتداء من الأرز والأخشاب والتوابل وانتهاء بالشاي والقهوة والسكر. من هؤلاء التاجر أحمد بن عبدالله بن منصور العنزي المتوفى عام 1929 وولداه عبدالله ويوسف، الذين كانوا يترددون على الهند البريطانية ويتعاملون مع نظرائهم الخليجيين المقيمين في بمبي من أمثال الحاج محمد سالم السديراوي وكيل الشيخ مبارك الصباح هناك. أما المؤرخ الكويتي سيف مرزوق الشملان فيخبرنا في الجزء الثاني من كتابه «تاريخ الغوص في الكويت والخليج العربي» عن أسماء بحرينية جديدة من تلك التي أقامت في بمبي للاتجار في اللؤلؤ أو العمل كدلالين له. من بين هؤلاء المرحوم محمد بن إبراهيم الهجرس وكان عنده محل في بومبي وبنى فيها مسجداً، والمرحوم محمد علي الزياني وكان من الشخصيات الخليجية البارزة في مجال بيع اللؤلؤ في بمبي، والمرحوم محمد علي بن محمد العريض وقد أقام فترة طويلة في بمبي كتاجر ودلال، ومثله المرحومان حاجي أحمد السلمان، والحاج حسن المديفع. ومما ذكره الشملان في كتابه أن البحرين كانت قديماً تأتي بعد بمبي لجهة كثرة من يقصدها من تجار ودلالي اللؤلؤ العرب والأجانب، بل ان بعضا من هؤلاء كان يملك محلات دائمة في البحرين وكان كثير السفر منها إلى باريس ولندن لعقد الصفقات المربحة مع دور المجوهرات العالمية. وفي السياق نفسه يقول المؤرخ المعروف لوريمر إنه في عام 1902 كان أهم سوقين للؤلؤ في الخليج هما سوقا الهند والبحرين، إضافة إلى السوق الصغيرة في جزيرة دلما التابعة لأبوظبي. ويضيف أن البحرين إكتسبت تلك المكانة بسبب موقعها الجغرافي المتوسط في الخليج ولوجود أشهر المغاصات حولها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها