النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

نحو إعادة قراءة تاريخنا العربي

رابط مختصر
العدد 8962 الأربعاء 23 أكتوبر 2013 الموافق 18 ذو الحجة 1434

كثيراً ما يجري الحديث عن ضرورة إعادة قراءة تاريخنا العربي، إلا أن هذه الدعوة للمراجعة تتصل في الغالب بالمضمون السياسي واستحضار المغيب منه: تاريخ المعارضات المغيبة والمهمشة، إلا أن هذه المراجعة نادراً ما تتصل بالمنهجية أو بإعادة النظر بمفهوم التاريخ نفسه. ولاشك أن معالجة تاريخ أي أمة بأسلوب علمي تعد من أصعب الموضوعات لا لقلة المادة العلمية التي تعتمد على مادة أصلية وإنما بسبب ما ساد من أفكار واعتقادات في أسلوب كتابة التاريخ ومنهجه، حيث تحولت العديد من المقولات غير الدقيقة وغير الصحيحة بمثابة المسلمات التي لا يمكن تجاوزها، من ذلك طرائق تقسيم التاريخ إلى مراحل منتهية، ومن ذلك أيضا الأحكام النهائية بشأن انهيار الدور العربي عندما انهارت دولة الإسلام المركزية، وما أعقبها من تطورات، حيث ترسخ لدى العديد من الباحثين والمشتغلين في المجال التاريخي بأن العرب كانوا يسيطرون على الدولة الإسلامية الموحدة في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، ولما انهارت الدولة المركزية وتفككت إلى دول، وصارت السلطة الفعلية بأيدي السلاطين والأمراء انتهت مرحلة المجد العربي، وعم التراجع والانحطاط، وبذلك سيطرت فكرة غريبة، وهي شطب تلك الفترة الفاصلة بين القرنين الخامس للهجرة والتاسع عشر الميلادي من التاريخ العربي، بما في ذلك فترة الحكم العثماني. هذا الاضطراب، وهذه الحيرة في معالجة قضية من أهم قضايا تاريخنا من حيث استمراريته أو انقطاعه يعودان إلى أن من يكتبون تاريخنا يبحثون عن استمراريته أو انقطاعه في عوامل هامشية وثانوية، ولا يبحثون عنها حيث يجب البحث، وإن أية محاولة جادة لإعادة كتابة تاريخنا لا بد أن تبدأ بتحديد أي تاريخ نريد أن نكتب، أو بمعنى آخر، ماهية علم التاريخ نفسه في منظوره الانساني العام. إن مفهوم التاريخ الذي كرّسه المؤرخون القدامى لم يوفر لنا سوى سيرة الحكام والفاتحين، ولن نجد في مثل هذا التاريخ ما يساعدنا على التعرف على المجتمع العربي كظاهرة حية تتحرك، وتجاهد من أجل أن تتطور، حتى حينما يستخدم بعض الباحثين أدوات التحليل الماركسية، ويتوجهون في معالجتهم لتاريخنا إلى البحث عن عناصر الصراع الاجتماعي، فإنهم يلزمون أنفسهم بنفس الإطار الذي وضعه المؤرخون التقليديون، أي أنهم يسعون إلى محاولة اكتشاف المجتمع العربي في عصور مختلفة، وفي أحسن الأحوال فإن مثل هذه المحاولات تنتج لنا تاريخ أكثر من عصر عربي، وكل عصر لا علاقة له بالآخر، وكل واحد له لون وطابع وشخصية من كانوا يحكمونه في تلك الحقبة الزمنية فقط. إن المفهوم التقليدي للتاريخ لا يعكس حقيقة هذا العلم وتطوراته، ليس فقط من زاوية السلبيات المترتبة على الأخذ به وبتطبيقاته على الحالة العربية تحديدا، وإنما لأن هذا التصور يقصر موضوع التاريخ على ما فعله هذا الفرد أو ذاك في لحظة معينة من تطور المجتمعات، وبداهة فإن مثل هذا المنهج يؤدي إلى ضياع ملامح المجتمع العربي ككيان حضاري تاريخي متصل، ولا يساعد على التعرف على الشخصية العربية بكل تنويعاتها الإقليمية، وخصوصياتها المحلية، كحقيقة اجتماعية – ثقافية - تاريخية متطورة، بل هو يؤدي إلى طمس ملامح هذه الشخصية، والى إخفاء أهم سماتها وهي الاستمرارية والتواصل الثقافي والحضاري، وفوق ذلك، فإن هذا المنهج يعجز عن اكتشاف تلك القوانين العامة أو الخاصة التي حكمت التطور التاريخي للعرب، ولا يقدر على تحديد ما هو ثابت، وما هو متغير في هذه العملية التطورية التاريخية، بل هو أصلا لا يحاول شيئا من ذلك، فمهما اشتمل التاريخ الذي ينتجه مثل هذا التصور على تفاصيل وحقائق، حتى ولو كانت هذه تفاصيل والحقائق عن حياة العامة أو بعض قادتهم، فإن أقصى ما يمكن أن يقدمه لنا هو مجرد حكايات تاريخية، تبدو لنا الأحدث فيها، وكأنها تقع بفعل الصدفة، وتبدو التطورات وكأنها أحداث خارقة تتأثر مرة بقوة أو دهاء حاكم أو قائد عسكري فذ، ويخضع مرة أخرى لضعف قائد آخر، أو لانعدام الطموح لديه وهكذا... إن هذا التصور التشخيصي لم يعد من الممكن القبول به، لسذاجته وغياب التحليل عنه، أما التصور الآخر للتاريخ، والذي نعتقد أنه يقدم الجواب الصحيح على سؤالنا (ما هو التاريخ الذي يجب أن نكتبه؟) هو ذلك الذي ينطلق من أن موضوع التاريخ هو الإنسان، ككائن حي يتطور ويرتقي، ليس بالمعنى البيولوجي، ولكن بالمعنى الاجتماعي – الاقتصادي - الثقافي، أي من زاوية الكيفية التي ينتج بما للإنسان من احتياجات في حياته المادية، والعلاقات الاجتماعية التي تنشأ من خلال عملية الإنتاج هذه، والتعبير الثقافي عن هذا الكائن الحي المتطور متمثلا فيما يتوصل إليه من معرفة، وما يصوغه من نظرة إلى العالم، ومتمثلا أيضا في مستوى التعبير عن نفسه من خلال الخلق الفني والأدبي، والإنسان الذي يعنى به التاريخ هنا ليس هو فقط السلطان أو القائد أو الوالي، ولكنه المجتمع بأسره. ولذلك لا يصبح التاريخ علما إلا عندما يتصدى للاجتماع الإنساني والاقتصاد، والقانون، والإدارة، وهكذا يصبح المجتمع وتطوره، وآلية هذا التطور والقوانين التي تحكمه هو موضوع التاريخ، هنا لا يكون (التاريخ) مجرد رصد وسرد لوقائع وأحداث، حتى ولو كانت وقائع وأحداث تتعلق بالمجتمع كله، وإنما تصبح مهمة التاريخ هي تفسير هذه الوقائع والأحداث، وحتى حينما نرصد ونسجل تحولات وتطورات مجتمع ما، فإن ذلك وحده لا يكفي لكي نسمي ما يكتب تاريخا، بل يتعين تحليل المكونات المختلفة لهذا المجتمع، والتغيرات التي طرأت عليه خلال عملية الانتقال، واكتشاف آلية هذا التحول، والعناصر المختلفة التي أسهمت فيه، أي اكتشاف القوانين العامة والخاصة التي تحكم حركة التاريخ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها