النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11695 الخميس  15 ابريل 2021 الموافق 3 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:53AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:09PM
  • المغرب
    6:01PM
  • العشاء
    7:31PM

كتاب الايام

شنغهاي تحاول استرداد ماضيها التليد

رابط مختصر
العدد 8959 الأحد 20 أكتوبر 2013 الموافق 15 ذو الحجة 1434

تقول مصادر المال والاعمال العالمية ان مؤشراتها لعام 2013 ابرزت اربع مدن كأهم المراكز المالية والمصرفية في العالم. هذه المدن هي لندن ونيويورك وهونغ كونغ وسنغافورة. وهذه المؤشرات، التي عادة ما تعتمد على بيانات البنك الدولي ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، وغيرها من المؤسسات الاقتصادية ذات المصداقية وضعت مدينة شنغهاي الصينية في المركز الـ 24 على الرغم من كل ما فعلته القيادة الصينية لإبرازها كمركز مالي عالمي، بما في ذلك الخطط الحكومية لتحويل المدينة الى اول منطقة للتجارة الحرة في البر الصيني. والمعروف ان الصينيين حبذوا في الماضي أن يمنحوا هذه الصفة للعاصمة بكين مفضلينها على عدد من الخيارات الأخرى. لكنهم على ما يبدو غيروا رأيهم الآن واقتنعوا أن شنغهاي تمثل الخيار الأفضل ليس فقط بسبب تاريخها العريق كأهم الموانئ التجارية في شرق آسيا في القرن التاسع عشر، وإنما أيضا بسبب إمكانية أن تتفوق بمرات عدة على هونغ كونغ كما كانت في عشرينات القرن العشرين. على أنه من الملاحظ حتى الآن أن تحويل شنغهاي إلى منطقة للتجارة الحرة خلال ثلاثة أعوام، كما هو مخطط، يصطدم بالكثير من المعوقات بدليل أن رئيس الحكومة «لي كينقيانغ» يناضل اليوم بحماس من أجل تنظيم القطاع المصرفي في شنغهاي وفق المعايير العالمية وفتحه أمام المستثمرين الأجانب، على اعتبار أن هذا القطاع له دور حاسم ورئيسي في تحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار والاستهلاك الداخلي. والحقيقة أن شنغهاي تحتاج إلى إطلاق عملية إصلاح لتطوير قطاعاتها التجارية والمالية من أجل تنميتها تنمية مثلى. ذلك أنه على الرغم من توسع حجم اقتصادها «بفضل احتضانها لصناعات الصين الرئيسية كصناعة الآلات والسفن والكيماويات والالكترونيات والنسيج»، وزيادة عدد سكانها بالأرقام المطلقة «يسكنها مع ضواحيها اليوم أكثر من 35 مليون نسمة»، فإن دورها النسبي ضمن مدن البلاد الكبرى «اي تلك التي يزيد عدد سكانها عن خمسة ملايين نسمة» في تراجع بسبب توسع المدن والحواضر المتوسطة التي يسكنها مليون نسمة وما فوق، وبالتالي استقطابها للمستثمرين، ولا سيما في قطاع البناء والانشاءات. والمعروف تاريخيا أن شنغهاي ظلت ما بين القرنين 11 و18 للميلاد مجرد قرية لا ذكر لها إلا عند صياو الأسماك، لكنها برزت كأنشط ميناء تجاري وصناعي ومصرفي في آسيا في أعقاب إتفاقية نانكين لعام 1842 التي وضعت حدا لحرب الأفيون بين بريطانيا والصين ومنحت البريطانيين امتيازات خاصة في المدينة، قبل أن تحصل دول أخرى مثل فرنسا والولايات المتحدة على امتيازات مماثلة. ففي ظل هذا المناخ الجديد تدفقت المصارف والشركات التجارية العالمية والأصول الأجنبية على شنغهاي، محققة لها ولسكانها إزدهارا مشهودا تجسد في ظهور العديد من الصناعات والأنشطة، وتشغيل معظم الأيدي العاملة، وتحول المدينة إلى ميناء لا يهدأ على مدار الساعة. غير أن الصينيين كانوا، رغم ذلك الخير العميم، تواقين للتحلل مما تم منحه للأجانب من امتيازات، فقاد الحزب الشيوعي الصيني في عام 1921 أولى محاولات التخلص من هيمنة الأجانب على شنغهاي، ونجحوا في الإستيلاء عليها. لكن قوات الكومينتانغ الوطنية التي كانت قد أسقطت حكم سلالة «تشينغ» في عام 1911 وأقامت جمهورية الصين الوطنية نجحت لاحقا في طردهم منها واستعادتها مع الإبقاء على الإمتيازات الأجنبية فيها. وما بين عامي 1937 و1945 وقعت شنغهاي تحت الإحتلال الياباني، وبانتهاء الحرب الكونية الثانية إستعادتها حكومة الكومينتانغ، وتخلى الأجانب عن امتيازاتهم فيها، إلى أن سقطت في أيدي القوات الشيوعية بقيادة «ماوتسي تونغ» في عام 1949. ويجب هنا ان نستدرك ونقول ان الحرب الاهلية بين الشيوعيين والوطنيين في الثلاثينات، والاحتلال الياباني والحرب الكونية الثانية ألحقت ضررا باستقرار شانغهاي، الأمر الذي دفع المستثمرين الأجانب ومعهم رجال أعمال كثر من شنغهاي نفسها لإغلاق مكاتبهم وتصفية أعمالهم في المدينة والانتقال منها إلى مستعمرة هونغ كونغ البريطانية القريبة. وفي ظل الحكم الماوي قاست شنغهاي، أو ما كانت تــُعرف بإسم «لؤلؤ الشرق» أوضاعا صعبة، ولا سيما حينما دشن ماو ثورته الثقافية المجنونة التي قضت على أفضل المواهب والعقول الاقتصادية والتجارية في شنغهاي، وجعلت من الجيش الأحمر متحكما في كل مفاصلها وأنشطتها. في هذه الأثناء كانت هونغ كونغ تحت الإدارة البريطانية، وبجهود وأموال الصينيين النازحين إليها من شانغهاي تحقق نجاحات مدهشة على مختلف الصعد وتعانق السماء بمنتجاتها الصناعية المتنوعة وحركتها التجارية والمالية وانشطتها المصرفية، بل صارت منفذا للصين الشيوعية للتعامل مع العالم والتخلص من عزلتها المريرة التي صنعتها بنفسها. والحال أن الأوضاع المأساوية لشانغهاي لم تتغير نحو الأفضل، إلا في عام 1979 مع تدشين الانفتاح الاقتصادي على يد الزعيم «دينغ هسياو بينغ». هذا الانفتاح الذي دفع بإنتاجها الصناعي قدما، ومنح سكانها أملا في مستقبل أفضل. ومنذ أوائل تسعينات القرن الماضي منح صناع القرار في بكين لحكومة شنغهاي المحلية بقيادة الرئيس الأسبق «جيانغ زيمين» سلطة تطوير البنى التحتية لشنغهاي وضواحيها وإنشاء المزيد من الطرق السريعة والمطارات والجسور والأنفاق وناطحات السحاب فيها، وجلب المزيد من الاستثمارات الأجنبية لها في محاولة للتفوق «هونغ كونغ» كمركز صناعي وتجاري ومالي. وقد قامت حكومة «زيمين» المحلية بأعمال رائعة في شنغهاي، التي صارت تحت قيادته المصدر الأكبر لأموال الضرائب المتدفقة على الخزينة الصينية. وبسبب ذلك ارتفع رصيد الرجل عند رؤسائه في بكين، بل كان ذلك أحد أسباب صعوده إلى قمة هرم السلطة. غير أنه لم يتمكن من تخليص بلاده من الاعتماد على هونغ كونغ كمعبر للتحويلات المالية. ذلك أنه حتى بعد بدء عملية تطوير حي «بوندونغ» في شنغهاي في عام 1992 ليكون مركزا للمال والأعمال ومنافسا لهونغ كونغ، وحتى بعد عام 1997، وهو العام الذي شهد انفتاح الصين اقتصاديا أعلى مستوياته واستعاد فيه الصينيون سيادتهم على المستعمرة البريطانية السابقة، لم يكن هناك مجال للاستغناء عن هونغ كونغ بسبب البون الشاسع بين الأخيرة وشانغهاي لجهة البنى التحتية والقوانين الشفافة المنظمة للأعمال المصرفية والحريات الاقتصادية الكاملة. لذا أقرت القيادة الصينية في عام 2009 خطة لتحويل شنغهاي إلى أهم مركز تجاري ومالي وميناء للشحن في العالم بحلول عام 2020. في هذه الأثناء تعمل هونغ كونغ كي تحتفظ بصيتها وتعزز مكانتها عبر الاندماج اقتصاديا مع إقليم «شينزيهن» الصيني المجاور لها، أو عبر التكامل مع إقليم صيني آخر هو «غوانغدونغ»، أو عبر الإثنين معا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها