النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

التبشير بمجتمع القطيعة وصناعة الحروب والعداوات

رابط مختصر
العدد 8955 الاربعاء 16 أكتوبر 2013 الموافق 11 ذو الحجة 1434

عندما يترك السياسي السياسة ويلجأ إلى الدين فمعناه إنه لا يمتلك برنامجا سياسيا ولا رؤية سياسية قابلة للنقاش والتطبيق حتى، وعندما يعمل ويحرض على العمل خارج المؤسسات ويلجا إلى الفوضى وعندما يحتمي بظلال رجل الدين وعندما يستهين بالقانون وبالمؤسسات المدنية فإنه يكون خارج سياق وأفق الدولة المدنية، ولذلك لا غرابة أن يعلن بان القانون لا يساوي رطلا من الفحم، وان الدستور لا وزن له، وان الدولة فاقدة للشرعية وبالتالي لا يجب احترامها، مؤسسا بذلك بالقول والفعل للفوضى ولقانون الغاب. وعندما تواجههم بأنهم يدعون بأنهم ديمقراطيون وبان من اخص أوجه الديمقراطية احترام القانون بداية، يجيبونك بكل اختزال: الديمقراطية هي فقط الانتخابات وشرعية الصناديق، لأنهم على قناعة تامة بأنهم قادرون على الحصول على الغلبة العددية، و ضمان أغلبية مريحة لمرة واحدة فقط للوصول إلى السلطة بشكل نهائي، ومع ان حتى هذا الإطلاق وهذه الثقة في الكثرة غير مؤكدة، فإن اختصار الديمقراطية في الانتخابات خور فكري وسياسي، خصوصا في ظل الواقع الحالي الذي لن تتقدم فيه الأوضاع إلا من خلال توافق وطني عريض، والتوافق الوطني العريض يقتضي التسامح والقبول بالآخر وتبادل التنازلات. لقد بينت التجربة ان هؤلاء هم مجرد هواة في السياسة وأن منهجم هو إدارة الدولة إدارة دعوية رعوية وليست إدارة سياسية، ولذلك يقاتلون من اجل السيطرة عليها خارج الشرعية وبعيدا عن القانون والدستور والمؤسسات لأنه يعتقدون ان هذه المسالة تحسم في الشوارع وعبر اختطاف عقول الناس واستثارة مشاعرهم، وهي عملية لا يمكن ان تتم الا عبر خلط الأوراق بين الدين والسياسة وترويج الأوهام واستحضار صراعات الماضي والايهام بان ما يحدث اليوم هو امتداد لذلك. تجربة الإسلام السياسي في الحكم او في المعارضة أثبتت أنه يقوم على منظومة المعايير المهتزة المضطربة والانتهازية، وانها تتميز بغياب الأخلاق في السياسة، وان الانتهازية السياسية هي الغالبة، فهم ضد الغرب ولكنهم في ذات الوقت مع البريطانيين والأمريكان والفرنسيين عند الاقتضاء للانقضاض على الداخل، ولهم خطاب مع البريطانيين ومع الأمريكان لهم خطاب آخر، ومع إيران لهم أكثر من خطاب، ومع الشعب لهم ألف خطاب وخطاب، وهم يعولون بداية ونهاية على «القداسة الدينية» بتقديم شخص مقدس لدى الجمهور يمكن ان يغطي على كل شيء ويحول دون أي نوع من المحاسبة السياسية. هذه التيارات أو الجماعات والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الإسلام السياسي التي وسمت الحياة السياسية العربية خلال العقود القليلة الماضية بسمات التطرف وتبرير العنف نتيجة التدخل الخارجي في بلاد المسلمين، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الاحباط بين الجماهير، تنهض اليوم على تفسير متشدد للنص الديني، يدور حول فكرة التكفير والتغيير بالقوة، تترجمها مصطلحات الولاء والبراءة، الحاكمية، الجاهلية المعاصرة والجهاد، الأخذ على يد الظالم.. وهجر المبتدع، وقمع المخالف....وقد تنتهي النزعة الإقصائية الى التكفير المنتهي بدوره الى مصادرة حق المخالف في الراي وتكفيره واستباحة دمه وماله، ولذلك يتسم هذا الخطاب في نسخته الأكثر تشددا بغياب فقه المقاصد وغلبة المنطق السطحي في النظر الى الحياة والمجتمع والسياسة. أما على الصعيد الاجتماعي فيبرز السؤال الأكثر أهمية: ما هو نوع المجتمع الذي تبشر به هذه الجماعات ؟؟ وعند محاولة الإجابة باختصار عن هكذا سؤال فلن يكون هذا المجتمع المبشر به غير مجتمع منقسم طائفيا، مجتمع القطيعة الذي يستقوي بخطاب الوهم وصناعة الحروب والعداوات. إن النزعة الدوغمائية أو اليقينية تجعل من تلك التيّارات تطمح في توحيد أفـراد الشعب وفئاته على أفكارها و بالتالي تصبح في تصورها الأيديولوجيا والسياسة شيئا واحدا متطابقا، فالتجانس الأيديولوجي يصبح طريقا للتوحدّ السياسي، وبذلك تعالج الإشكاليات السياسية نهائيا و دفعة واحدة، بمعنى رسوخ الاعتقاد بأن الصورة المثالية التي في ذهن قادة وزعماء التيارات الدينية ممكنة التحقيق حرفيا في الواقع، ولذلك لا مشكلة لديهم في نقل الماضي إلى الحاضر أو إعادة إنتاجه بأي ثمن، حتى وان كانت النتيجة كارثية على النمط الطالباني الذي او أوصل أفغانستان إلى الاحتلال الخارجي والتدمير المنهجي للدولة والمجتمع معا، او على النمط الذي نفذه الإخوان في مصر وأوصل البلاد إلى أزمة، والمجتمع إلى انقسام غير مسبوق، أو على النمط الذي تم تطبيقه في السودان وأوصل البلاد إلى الانقسام والتقسيم السياسي والجغرافي.!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها