النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

إيران تهاجم السعودية والعراق والهند بسبب البحرين

رابط مختصر
العدد 8950 الجمعة 11 أكتوبر 2013 الموافق 6 ذو الحجة 1434

الذين شنوا الهجوم تلو الهجوم على العراق الملكي، ووصفوه بمخلب الإمبريالية، وقالوا إنه مع الفرس وضد عروبة الخليج والقومية العربية، وتجرأوا على قادته العظام عليهم اليوم أن يراجعوا أنفسهم ويعترفوا بخطأ مواقفهم تلك. ذلك أن هناك كما كبيرا من الوثائق والمراسلات الدبلوماسية السرية ضمن ملفات البلاط الملكي العراقي للفترة ما بين 1930 – 1958 تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن المملكة العراقية وقاماتها السياسية الكبيرة كانوا ضد المس بعروبة الخليج عموما والبحرين خصوصا، على الرغم من ارتباط العراق في حينه بعلاقات ودية وتحالفات إستراتيجية مع إيران الشاهنشاهية في نطاق ما عـُـرف بالأحلاف الغربية المقاومة للمد الشيوعي في الشرق الأوسط. تلك الوثائق والمراسلات يجدها القارئ منشورة بتفاصيلها مع تعليقات وشروحات مسهبة ومقالات ذات صلة منتقاة من الصحافة الإيرانية في كتاب أصدره الباحث العراقي الدكتور طارق نافع الحمداني في عام 2012 من خلال «دار الوراق» تحت عنوان «دول الخليج العربية في وثائق البلاط الملكي العراقي». وما يعنينا من هذا الكتاب هو ما يختص بالبحرين تحديدا، وكيف أن الإيرانيين استشاطوا غضبا، وفقدوا أعصابهم، وراحت صحفهم تهاجم دولا تربطها معهم علاقات دبلوماسية مثل المملكة العربية السعودية والعراق والهند وبريطانيا العظمى بأقدغ الألفاظ وأكثرها انحطاطا، بسبب معارضة هذه الدول لادعاءات طهران في السيادة على البحرين. كانت البداية في عام 1930 حينما قدمت إيران مذكرة إلى المفوضية البريطانية في طهران تحتج فيها ضد منح حاكم البحرين امتيازات النفط لإحدى الشركات البريطانية، وتنكر من خلالها حق الحاكم في منح أي امتيازات لأي طرف دون الرجوع إلى طهران لأخذ موافقتها مسبقا. ومثل هذا الموقف الإيراني تكرر مرة أخرى في عام 1934 حينما قامت شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» الإمريكية بإنتاج النفط وتصديره من البحرين، حيث احتجت الحكومة الإيرانية بشدة ووصفت ذلك العمل بأنه يأتي ضمن محاولات البريطانيين والأمريكيين زيادة هيمنتهم على البحرين وتضخيم الأخطار التي تهددها من جيرانها. وفي عام 1954 احتجت إيران لدى العراق على قيام المغفور له الملك فيصل الثاني وولي عهده سمو الأمير عبدالإله بن علي بزيارة البحرين، متهمة العاهل العراقي بأنه يعمل على تشكيل تحالف من مشيخات الخليج «الفارسي» بعلم البريطانيين الذين – طبقا لقول طهران – وعدوه بضم البحرين والكويت وبعض الإمارات الأخرى إلى عرشه. وبالتزامن مع هذا الاحتجاج أوعزت طهران إلى صحافتها بشن هجوم لاذع على العراق والعراقيين. فمثلا كتبت جريدة «إرادت آسيا» مقالا جاء فيه «يعلم العالم اليوم، ولكن العراقيين أنفسهم لا يعلمون، بأنهم يرسفون في أغلال الاستعمار. فهم كالنعامة (وقد جاء في الأصل كطير الحجل) التي تخفي رأسها فتعتقد بأنه لا يراها أحد». أما جريدة «نبرد ملت» فقد وصفت القيادة العراقية بـ «خدم الاستعمار الأدنياء المتفسخين» وطالبت الشعب العراقي بأن يؤدبها. وكتبت صحيفة إيرانية ثالثة ما يلي «هل يجب على جلالة ملك العراق وسمو ولي عهده استئذان الحكومة الإيرانية للسفر إلى البحرين؟ نحن نقول بصوت عال: نعم .. نعم لا نسمح لأحد أن يضع قدمه في دارنا إلا بعد الاستئذان، وعندئذ نرحب بالضيف». وقد رد العراق، عبر صحافته على احتجاج طهران ومقالات صحفها، ردا مفحما، واصفة إياه بالرذالة وقلة الحياء والإسفاف. ومما قالته إحدى الجرائد العراقية في هذا السياق «هل استطاعت إيران تحقيق وحدتها الداخلية وهيأت لأبنائها لقمة الخبز، حتى تحاول جعل البحرين مستعمرة لها ..؟»، وتساءلت جريدة عراقية أخرى قائلة «إن الحكومة الإيرانية التي لا تتمكن من إدارة خوزستان، كيف لها أن تدعي ملكية مجموعة جزر البحرين؟ كما أن وزارة الخارجية العراقية أمرت سفيرها في طهران بأن يكون رده على أي احتجاج إيراني حول موضوع الزيارة هو ما يلي «إن الحكومة العراقية لا تعترف بأية حماية أو إشراف من قبل أية دولة أجنبية على أي جزء من العالم العربي، ولذلك فلا مجال لقبول اية مراجعة في هذا الباب» والحقيقة التي تجاهلتها إيران عمدا، فأثارت زوبعة غير مبررة لحاجة في نفس قادتها هي أن العاهل العراقي وولي عهده لم يقوما بزيارة رسمية للبحرين وإنما توقفا فيها في طريق عودتهما من باكستان على متن طائرة تجارية تابعة لشركة «ك. إل. إم» الهولندية التي كانت تتوقف في البحرين للتزود بالوقود. ولما كانت هذه الطائرة تواصل رحلتها إلى أوروبا عبر دمشق دون التوقف في بغداد، فإن الملك فيصل والأمير عبدالإله قررا النزول في البحرين ليستقلا منها يختا كان بانتظارهما للوصول إلى البصرة، ثم السفر منها جوا إلى بغداد. وكما هي عادات الضيافة العربية الأصيلة، لم يدع صاحب السمو عظمة حاكم البحرين وتوابعها المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة هذه الفرصة تفوت دون الالتقاء بسليلي الأسرة الهاشمية وتكريم وفادتهما وتداول قضايا الساعة معهما. ونحن إذ نقول هذا فإننا نفعل ذلك من باب الشرح والتوضيح، وإلا فإن من حق كل القادة العرب الحلول في البحرين وقتما يشاؤون، وليضرب الإيرانيون رؤوسهم في الحائط. ولعل واقعة سفر العائلة المالكة العراقية بالطائرات التجارية لهو اقوى دليل على مدى تواضع هذه العائلة وبـُعدها عن البذخ والاسراف وإنفاق ثروات العراق على ملذاتها ومصالحها الخاصة، أي على العكس تماما مما فعله اسلافهم وخلفاؤهم. وفي عام 1954 وقعت حادثة أخرى تثبت مدى غرور وعنجهية الإيرانيين. وهذه الحادثة التي أبرزتها الصحافة الإيرانية وعلقت عليها تعليقات تنقصها الكياسة والأدب هي ان السفير «ظهير الإسلام» سافر إلى الرياض كمبعوث من قبل الشاه محمد رضا بهلوي لتنبيه ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية إلى ضرورة تخلي الملك سعود الأول عن فكرة القيام بزيارة إلى البحرين، أو تنظيم منهاج سفره إليها بعلم الحكومة الإيرانية. وقد كان رد الرياض قويا وصادحا كالعادة، وجاء فيه «إن المملكة العربية السعودية لا تعترف بأية سيادة لإيران أو غيرها على البحرين». كما قامت السفارة العراقية في طهران بتضمين الاحتجاج الإيراني والرد السعودي في مذكرة بعثتها إلى وزارة الخارجية العراقية في بغداد، متبوعة مباشرة بعبارة «إن الرد السعودي مما يتفق في الأساس مع السياسة العراقية». وشهد عام 1954 أيضا قيام الحكومة الإيرانية بتوجيه مذكرة إلى كافة البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية في طهران تطلب فيها عدم استخدام مطار البحرين للهبوط والإقلاع إلا بإذن مسبق من السلطات الإيرانية، لأن البحرين – طبقا لما ورد في المذكرة – جزء من الأراضي الإيرانية. وقد احتجت جامعة الدول العربية على هذا العمل الإيراني الأخرق وحثت السفارات العربية في طهران على التحرك لتأكيد عروبة البحرين، الأمر الذي أغضب وزير الخارجية الإيراني وجعله يهذي بعبارات مثل «إن الجامعة العربية لا تملك الصفة الرسمية لتؤخذ آراؤها عن البحرين محمل الجد» ومثل « إننا احتفظنا وسنتحتفظ دوما بحقنا في البحرين وسنتجاهل تصريحات الأفراد والمنظمات غير المسؤولة». أما في مارس 1956 فقد وجه السفير الإيراني في بغداد احتجاجا شديد اللهجة باسم حكومته إلى وزارة الخارجية العراقية بسبب ما بلغه عن اعتزام العراق إرسال بعض ضباطه إلى البحرين لتنظيم شئون الشرطة هناك، لكن العراق لم يلق بالا لهذا الاحتجاج وتصرف كأنه لم يكن، موجها بذلك صفعة للإيرانيين. وفي عام 1957 حينما قام الملك فيصل الثاني رحمه الله بزيارة رسمية إلى الرياض، وتواردت أنباء عن أن اجتماعه بالعاهل السعودي الملك سعود الأول سوف يتناول استقلال جميع الدول العربية غير المستقلة بما فيها البحرين التي كان العراق يؤكد في كل مناسبة أنه لا يعترف بأي إدعاء حول السيادة على جزر البحرين، وأن الأخيرة أرض عربية، جن جنون طهران، وراحت صحافتها تشن هجوما لاذعا على المملكتين السعودية والعراقية خصوصا بعدما صدر بيان سعودي – عراقي مشترك تضمن الإشارة إلى البحرين بالاسم. فمثلا كتبت صحيفة «إطلاعات» واسعة الانتشار ما يلي: «إنه لأمر مستغرب أن تنتهز الحكومة السعودية فرصة قيام العاهل العراقي الملك فيصل بزيارة للمملكة العربية السعودية لتنشر بيانا عن البحرين. فهذا البيان لا أساس له قط من الناحيتين السياسية والتاريخية. وإذا ألقينا نظرة سريعة على الصلات التي تسود اليوم الدول العربية والمنافسات الموجودة بينها لأدركنا بسهولة أن لا قيمة لهذه البيانات التي لا يتجاوز مفعولها المجاملات الدبلوماسية»، ثم أضافت الصحيفة نفسها «لقد جاء في البيان المذكور ان البحرين جزء من شبه جزيرة العرب وأن الحكومة السعودية تعلن استغرابها لما تبديه أوساط طهران من ان البحرين جزء لا يتجزأ من الأراضي الإيرانية. أما نحن فنعتقد بأن استغراب السعودية إنما هو دليل على جهل السعوديين بالتاريخ (هكذا)». ولم تسلم حتى الهند من صفاقة الحكومة الإيرانية. ففي عام 1958 احتجت طهران رسميا لدى دلهي لظهور صور في الصحافة الهندية تجمع ما بين رئيس الحكومة الهندية وقتذاك «جواهر لال نهرو» والشيخ محمد آل خليفة عم عظمة حاكم البحرين وتوابعها الذي كان في زيارة للهند ودُعي لحضور جلسة مشتركة للبرلمان الهندي، وجلس في الجناح المخصص للسلك الدبلوماسي. حيث اتخذت الدبلوماسية والصحافة الإيرانيتان من هذه الواقعة فرصة لشن هجوم وقح على الهند بدعوى أن إقدام الأخيرة على استقبال شخص ينتمي إلى أسرة تحكم قطعة من الأراضي الإيرانية دون موافقة طهران لهو غلطة شنيعة لا تغتفر للحكومة الهندية. ولم ترد دلهي أن تدخل في سجال مع طهران حول قضية لا مبرر لها فجاء ردها على الاحتجاج الإيراني مؤدبا وهادئا، الأمر الذي أغاظ الإيرانيين أكثر. حيث أعربت وزارة الخارجية الهندية عن أسفها للموقف الإيراني، موضحة أن الزعيم «جواهر لال نهرو» يجتمع كل يوم بعدد كبير من الشخصيات التي تاتي إلى الهند من مختلف دول العالم، ومضيفة أن حضور الشيخ محمد لجلسة البرلمان الهندي لا يعتبر حدثا يستوجب الضجة والاحتجاج لأن عددا كبيرا من الأجانب يزورون البرلمان الهندي كل يوم. وأخيرا فإذا ما أسقطنا كلمة «العراق» (الذي صار منذ عام 2003 شبه مقاطعة إيرانية) من عنوان هذا المقال فإن مقولة «ما أشبه اليوم بالبارحة» سنجدها منطبقة. فالمغالطات والإسفافات الإيرانية لا تزال قائمة ومستمرة بحق البحرين والسعودية والهند وبريطانيا وغيرها من دول العالم الحر، ولكأنما نظام الولي الفقيه ورث خطاب سلفه الشاهنشاهي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها