النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

حتى لا تغزو الطائفية عقول أبنائنا

من أجل عيشنا المشترك

رابط مختصر
العدد 8948 الأربعاء 9 أكتوبر 2013 الموافق 4 ذو الحجة 1434

محاربة الطائفية من اجل عيشنا المشترك لا تكون بجميل القول والخطب والشعارات، بل تكون بالقضاء على أسبابها ومحفزاتها ومؤججاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. محاربة الطائفية تتطلب تعزيز الدولة المدنية ومظاهرها في الفكر والثقافة والمناهج الدراسية والأنشطة الرياضية والشبابية بكافة أنواعها، بالإضافة إلى تعزيزها في الممارسة اليومية: تعزيز ما يجمع وتقليص ما يفرق، تعزيز سلطة القانون الذي ارتضاه الناس عبر المؤسسات التشريعية التي انتخب أعضاءها المواطنون بحرية تامة.. وتعزيز مساحات العيش المشترك، على صعيد الخطط الإسكانية والمنشآت الحكومية والأهلية وتنظيم البرامج والفعاليات التي يتم من خلالها الدمج الوطني الحقيقي والكامل. تعزيز المواطنة يتطلب الإعلاء من شأن الوطن الذي يشعر فيه الجميع بأنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات وفرص العيش الكريم.. ويتطلب الإعلاء من الوطنية التي تكون الخيط الرابط والعفوي الجامع في القلوب قبل العقول.. وفي خط مواز لابد من تعزيز فرص الحرية والكرامة وتكافؤ الفرص بين المواطنين بما يساعد على التعالي عن الطائفية وعدم اللجوء إليها كملاذ للعزلة والاحتماء أو الابتزاز أو الشكوى، ولأن الدولة في جوهر عملها وأهدافها الكبرى تعمل على تحقيق طموحات وتطلعات مواطنيها في الإطار الأكبر وهو الوطن، فإنه سيكون من الصعب أو من المستحيل الاحتيال على المواطن او اختطافه من طرف القوى الطائفية التي تبتز الدولة والوطن بحكاياتها وخرافاتها التي تحفر أخاديد في نفوس الناشئة، وهذا وحده سوف يسهم في إفشال الخطاب الطائفي الانعزالي المريض في التأثير في العقول والقلوب.. وأعتقد بأن الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة تتمثل في عدم تمكين المؤسسات ذات الطابع الطائفي، بأيديولوجيتها المظلمة ومواردها الضخمة، من الانفراد بالناشئة وتكوينهم وغسل أدمغتهم بناء على أجندات طائفية تمييزية تفتيتية استنادا إلى قائمة الأوهام المكرسة في المخيال والتاريخ، وسوء الفهم والتدبير لإخضاعهم والسيطرة عليهم، وتقديم ترسانة ضخمة من المبررات التي تعزلهم عن شركاء الوطن وتخوفهم منهم، لتبدأ عملية الحشو التفريقي الطائفي منذ سن مبكرة في اغلب الأحيان، هذا العمر الذي يتعلم فيه الطفل أغلب القيم والثوابت التي ترسخ في ذهنه ويصعب محوها وتؤثر في سلوكه واتجاهاته بشكل كامل، فيجد نفسه يتلمس الجدار الطائفي السميك العنيف العالي الارتفاع فلا يستطيع تجاوزه أو القفز من فوقه، وقد رأينا بأنفسنا ولمسنا هذه الحالة مؤخرا إبان الأحداث المؤسفة التي شهدتها البحرين.. هذا هو صلب المشكلة، فعملية غسل الدماغ الممنهجة للطفل هو الأخطر على الإطلاق، فحتى عندما ينتقل إلى المدرسة يكون قد أصبح مغلقا مغلفا غير قابل للاختراق ولن يكون للمدرسة فرصة منصفة لتكتب سطرا او جملة مفيدة في عقل ووجدان الطفل على صعيد الوطن او المواطنة لان الطائفية تكون قد أكلت عقله وذهبت بوجدانه وبأي إمكانية للانفتاح او القبول بالمختلف، بالرغم من ان التعدد الفقهي والمذهبي في التجربة التاريخية الإسلامية لم يكن في يوم من الأيام مظهرا من مظاهر الانقسام والتشظي في الدائرة الإسلامية بل كان دليل حيوية عقلية وفكرية لمناخ اجتماعي حر ومنفتح، أدى إلى تطوير عملية الاجتهاد ونشوء الاتجاهات الفكرية والسياسية في الدائرة الإسلامية الكبرى، وقد أدرك المسلمون بعمق أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهرا للانقسام، وإنما كان تعبيرا عن حيوية عقلية وعملية أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم والحرية الفكرية.. المشكلة أن بعض الانتماء الطائفي قد يتحول إلى ولاء لكيان الطائفة على حساب كيان الدولة، وتزداد خطورته عند وجود امتداد طائفي في أكثر من دولة وإقليم، بما يفتح الباب مشرعا أمام احتمالات تداخل المصالح مع الخارج، فتصبح للطائفية علاقات خارجية متداخلة مع مقتضيات الداخل، بل وقد يكون لها أجهزة إعلام خارجية تعمل لصالحها، بما يجعل الطائفية قوة سياسية تمتلك نفوذا داخليا وإقليميا ودوليا يمكن استغلاله في مواجهة التزامات الهوية والمصالح الوطنية، وهذا مكمن الخطر والبلاء. إن هذه المقاومة للطائفية يمكن أن تؤسس لمفاهيم التعايش وهو الشرط الرئيسي للسلام في بعده الأعمق الفردي والمجتمعي، وضمن شرطه الإنساني، حيث إن الحروب ـ مثلما يقول جاك ديلور- تنشأ أول ما تنشأ في العقول، والسلام لا ينشأ إلا إذا نشأ في العقول والوجدان - من خلال الحد من اتساع المسافة بين الأديان والمذاهب بل داخل المذهب الواحد نفسه، واتساع الشقة تمهيدا لحروب لا تنتهي إلا بهلاك الأرض والحرث والنسل، وبدلا من المحافظة على الدولة الوطنية يصبح لدينا دول طائفية دينية وعرقية ومذهبية، على شاكلة رئاسة الدولة لطائفة ورئاسة مجلس وزراء لطائفة أخرى ورئاسة برلمان لطائفة أو قومية أخرى، الأمر الذي يدخل في دوامة من العنف المتكرر والمولّد للأحقاد والتفكك وتعطيل عمل الدولة.. جملة مفيدة: «كل شعب ينقسم إلى شعبين يصبح في قبضتنا» مؤسس الحركة الصهيونية العالمية تيودور هرتزل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها