النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

عبدالحميد السراج.. ولعبة التوازن

رابط مختصر
العدد 8943 الجمعة 4 أكتوبر 2013 الموافق 28 ذو القعدة 1434

كنت أتوهم أن «عبدالحميد السراج» قد غادر عالمنا منذ سنوات، فقد اختفت أنباؤه منذ ما يزيد على أربعين عاما، وانتقل من صدارة الصحف اليومية إلى الكتب التي تروي تاريخ تلك الأيام التي لمع فيها اسمه كالشهاب في سماء الأمة، إلى أن قرأت نعيه في صفحة الوفيات بجريدة الأهرام يوم الاثنين الماضي، وتوقفت بدهشة ممزوجة بالأسى أمام الوظيفة التي رأى الناعون أنها كفيلة بأن تذكر الناس به، وهي «نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة» وهي دولة لم يعد لها ـ للأسف ـ وجود على خريطة الدنيا إذ هو الاسم الذي اطلق على دولة الوحدة المصرية السورية، التي لم تعش سوى 42 شهرا، بين 23 فبراير 1958 ـ وهو اليوم الذي أعلنت فيه نتيجة الاستفتاء الشعبي على اقامتها وأسفرت عن موافقة الشعبين المصري والسوري على ذلك بنسبة 99% ـ و28 سبتمبر 1961 الذي قامت فيه وحدات من الجيش السوري بالانقلاب على الوحدة، وأجرت بعد ذلك استفتاء شعبيا، وافق خلاله السوريون على الانفصال عن الجمهورية العربية المتحدة بنسبة 99% أيضا، واستردت سوريا اسمها الأصلي وهو الجمهورية العربية السورية بينما أصر الرئيس «عبد الناصر» على أن تظل الجمهورية العربية المتحدة تحتفظ باسمها وتردد نشيدها وترفع علمها أملا منه في أن يأتي الوقت الذي تدحر فيه مؤامرة الانفصال وتعود فيه الوحدة، لكنه رحل عن الدنيا قبل أن تتحقق هذه الأمنية، وبعد عام على رحيله، وفي آخر عام 1971 تعامل خليفته «أنور السادات» مع الواقع وقرر أن تسترد مصر اسمها لتصبح «جمهورية مصر العربية». وكان المقدم «عبدالحميد السراج» أحد ضباط الجيش السوري الذين صنعوا وحدة مصر وسوريا عام 1958، بل ويذهب البعض إلى القول بأنه كان مهندسها الحقيقي، ولد لأسرة فقيرة في حماة، وعمل في البداية شرطيا في قوات الدرك، ثم التحق بمدرسة «حمص» العسكرية وتخرج فيها ليعمل بالجيش وكان أحد الضباط الذين تطوعوا في جيش الإنقاذ السوري الذي دخل إلى فلسطين ليساعد أهلها على مواجهة الميليشيات الصهيونية، وشارك في حرب 1948، وفي الانقلابات العسكرية الثلاثة التي شهدتها سوريا في أعقاب الهزيمة المريرة التي لقيتها الجيوش العربية في هذه الحرب. ولأنه لم يكن ينتمي إلى أحد الأحزاب أو إحدى الكتل العسكرية التي كانت تتصارع على النفوذ داخل الجيش السوري، وتحكم البلاد من خلف واجهة مدنية هشة، فقد كانت ضرورات التوازن بين هذه الكتل، تفرض عليها أن تختاره لتولى بعض المناصب العسكرية، التي ترفض كل منها أن يتولاها شخص ينتمى لغيرها، باعتباره وجها محايدا ومستقلا عن كل الكتل وليست له كتلة في الجيش، فهو مقبول من كل الأطراف. وكانت لعبة التوازن هي التي قادت «عبدالحميد السراج» لتولي مسئولية إحدى أهم شعب الجيش السوري، وهي الشعبة الثانية الخاصة بالمخابرات، في مرحلة كان الصراع على سوريا قد وصل إلى ذروته بين القوى الدولية والإقليمية التي كانت تتخوف من تصاعد التوجهات الراديكالية في سياستها، بتأثير السياسة المتحررة التي تتبعها مصر الناصرية، إذ كشف عن أن موهبته الأساسية هي أنه رجل أمن من الطراز الأول واستطاع أن يجهض عددا من المؤامرات تسعى لاستدراج سوريا إلى مناطق النفوذ الاستعمارية، وإلى مناطق النفوذ الإقليمية المتحالفة معها فلمع اسمه وازدادت شعبيته وتوطد نفوذه، واتجهت عواطفه بقوة نحو الرئيس عبدالناصر، الذي تعرف إليه أثناء أحد الاجتماعات التي ضمت ممثلين للدولتين في عام 1955، فانحاز إليه ولعب أدوارا مهمة في حشد قوى عربية تؤيد النهج الناصري المعادي للأحلاف والمشاريع الاستعمارية في الأردن ولبنان والعراق. وعندما أجهد الصراع على النفوذ قادة الكتل العسكرية في الجيش الذين كانوا قد شكلوا من بينهم مجلسا عسكريا لإدارة شؤون البلاد يتكون من 22 عضوا وخشوا أن يختل التوازن فيما بينهم، استقلوا طائرة حطت بهم في مطار القاهرة ليطلبوا الوحدة مع مصر، وتركوا واحدا منهم فقط في دمشق هو «عبدالحميد السراج» ليحافظ على الأمن ويصد المؤامرات، وتردد الرئيس عبدالناصر في قبول الوحدة، ولكنه وافق بعد ضغوط شديدة من الضباط الذين صارحوه بأنهم باتوا عاجزين عن السيطرة على الأمور، واشترط أن تحل الأحزاب السياسية السورية نفسها وأن يكف الجيش السوري عن الاشتغال بالسياسة، وأن تكون الوحدة اندماجية كاملة لكي يتاح له أن يتخذ ما يشاء من إجراءات لحماية أمن سوريا. ووافقت الأحزاب جميعها على حل نفسها ما عدا الحزب الشيوعي السوري الذي طالب بوحدة فيدرالية وليست اندماجية، ووافق حزب البعث على حل نفسه ظاهريا ظنا منه أن قرار حل الأحزاب سيخلي الساحة من الأحزاب المنافسة له خاصة الحزب الشيوعي، انطلاقا من اعتقاده بأنه حزب بلا زعيم، في حين أن عبدالناصر زعيم بلا حزب، وأنه ـ علي الرغم من حلّه ـ سيكون الحزب الواحد في دولة الوحدة. وهكذا بدأت لعبة التوازن في الاختلال تدريجيا في ظل دولة الوحدة: دخل عبدالناصر في معركة ضد الشيوعيين المصريين والسوريين بسبب تحالفهم مع منافسه على زعامة القومية العربية عبدالكريم قاسم قائد الثورة العراقية، الذي رفض ضم العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة حتي لا يتحول العراق من «دولة» إلى «إقليم» وتحالف البعثيون مع عبدالناصر في حملته لتصفية الشيوعيين، وخلالها تصاعد نجم عبدالحميد السراج الذي كان يتولى منصب وزير الداخلية في الإقليم السوري. وما كادت المعركة تنتهي حتى اكتشف البعثيون أن حلمهم في ملء الساحة التي خلت من الشيوعيين قد تحول إلى سراب، وأن عبدالناصر يتجه للاعتماد على العناصر غير الحزبية ومنها كتلة الضباط الشوام، وعبدالحميد السراج فدفعوا وزراءهم للاستقالة، ورد عبدالناصر بتعيين «السراج» رئيسا للمجلس التنفيذي في سوريا وهو بمثابة مجلس الوزراء، وبعد قليل اختل التوازن مرة أخرى، فاستقال الوزراء المنتمون لكتلة الضباط الشوام من حكومة الوحدة، ليزحف «السراج» فيتولى، فضلا عن رئاسة الوزراء ووزارة الداخلية والإشراف على أجهزة الأمن والمخابرات الإشراف على الاتحاد القومي وهو الحزب الوحيد في دولة الوحدة! وهكذا أصبح «السراج» هو حاكم سوريا الوحيد وتصاعدت الشكوى من الحكم البوليسي الذي فرضه على السوريين، فقرر عبدالناصر أن يعين نائبه المشير عبدالحكيم عامر مشرفا على سوريا وأن يمنحه كل سلطات رئيىس الجمهورية، وشعر السراج بأن التوازن قد اختل لصالح عامر فبدأ يناوئه ويحرض أزلامه في أجهزة الأمن والمخابرات وتنظيمات الاتحاد القومي ضده حتى وصلت إلى تنظيم إضرابات واعتصامات عمالية في دمشق وهو ما دفع عبدالناصر لمنحه «شلوتا لأعلى» بتعيينه نائبا لرئيس الجمهورية، ونقله إلى القاهرة وتشتيت أركان الدولة البوليسية من كبار أعوانه، وبعد أيام قليلة من تعيينه غادر القاهرة دون أن يخطر أحدا وعاد إلى دمشق وبعد أيام أخرى نجح الانقلابيون في إنهاء الوحدة المصرية - السورية، وثار الشك في البداية أن «السراج» يقف وراء الانقلاب، لولا أن الانفصاليين قاموا بالقبض عليه إلى أن نجحت المخابرات المصرية في تهريبه من سجن المزة في بداية عام 1962، وبعدها بشهور عين رئيسا لمؤسسة تدير شركات التأمين وظل ـ طوال الأعوام الأربعين الماضية ـ يعيش في القاهرة. ومنذ ذلك الحين نسي الناس عبدالحميد السراج مهندس الوحدة المصرية - السورية الذي قضى عليها بالحكم البوليسي الذي أقامه لحمايتها فانتهى بتقويضها إلى الأبد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها