النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

أتــُن البحرين أميرات الأتــُن

رابط مختصر
العدد 8943 الجمعة 4 أكتوبر 2013 الموافق 28 ذو القعدة 1434

خصص أمين الريحاني أكثر من 290 صفحة في الجزء الثاني من كتابه الشهير الرائع «ملوك العرب» للحديث عن البحرين في عام 1922 أي في عهد عظمة حاكمها الأسبق المغفور له الشيخ «حمد بن عيسى آل خليفة». ويبدأ الريحاني حديثه بالتطرق إلى الظروف التي جاءت به إلى البحرين وخلاصتها أنه إضطر للمرور بها وهو في طريقه من البصرة إلى الأحساء لزيارة سلطان نجد «عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود» برفقة أحد الكويتيين العاملين في خدمة الأخير وهو «السيد هاشم بن السيد أحمد الرفاعي». ويصف البحرين في الصفحة 21 بأنها جزيرة اللؤلؤ ويقول أنها أهم محطة بعد الكويت في الجهة الغربية للخليج لبواخر الهند وللتجارة بين الأخيرة ونجد، ويضيف أن المسافر لا بد له أن يقف فيها لاستبدال المراكب البخارية بالشراعية إذا كانت وجهته العقير أو القطيف. وينتقل بعد ذلك لكتابة قطعة من النثر الفني الجميل يصف فيها خطواته الأولى في البحرين فيقول: «نزلنا من الباخرة بعيدين عن الجزيرة وسرنا في شراع فوق منازل اللؤلؤ الراقد تحت الأمواج، والبحر ساعتئذ رهوٌ، والهواء عليل، وشمس الصباح تتهادى على الإثنين، فبدت المنامة خلالها مشرقة بيضاء كأنها أبراج شيدت من اللؤلؤ، بل هي أميرة اللآليء وقد صعدتْ من أماكن الغوص واستوتْ على عرش الخليج. وكان الشراع يهمس سلاما كلما مرّ بشراع آخر، وكلها مثل أجنحة الحمام تميس وتتهادى على بساط من الزمرد، كأنها تتلو القصائد في مديح ربة الدرر ودرة البحّــار». ويعترف الريحاني بأنه أخطأ في حق البحرين حينما ظنها – قبل أن يزورها – أنها «جزيرة صغيرة حقيرة يأوي إليها الصيادون» وأن «شيوخها من البدو الذين يسكنون الخيام». ويقول في هذا السياق أنه ما أخطأ الظن مرة ببلاد عربية مثل خطئه بالبحرين، ويضيف «وماذا ينفع التظاهر بالعلم إذا فضحتك أول كلمة منك بعد السلام؟». ثم يتحدث بإسهاب عن بعض المظاهر العمرانية والتجارية والخدمية والاجتماعية التي وقعت عليها عيناه في البحرين، وهو ما جعله غير مصدق بأنه على مقربة من بوادي نجد وصحاري شبه الجزيرة العربية القاحلة توجد أرض بها عمران، وقصور، وبيوتات تجارية، ونظام، وإدارات، ودواوين، وكتبة، ومحاسبين، ومراسلات، وبريد، ومراكب شراعية تشق المياه الزرقاء، وشواطيء، وأسواق، ومقاهي، وحركة تجارية، ومخازن تعج بمختلف صنوف البضائع من مأكولات ومشروبات وملبوسات وأدوات للزينة والترف من تلك التي لا تتوفر إلا «في المدن الكبيرة مثل بمباي والقاهرة». وفي سياق المدهشات التي صدمت الريحاني في البحرين قوله في الصفحة 211: «إذا كنت ممن يهمهم الأدب والشعر، فإن في هذه الجزيرة نهضة أدبية إجتماعية مباركة، وعددا ليس بقليل من الأدباء والشعراء، وذكاء ليس بضئيل. إن فيها نهضة تقارن أخواتها في الكويت وفي العراق، وتقارن روحا وطموحا على الأقل أخواتها في سوريا ومصر. فهذا ناديها الأدبي وفيه من المجلات العربية أكثرها وأحسنها، وهذه غرف القراءة وفيها من الكتب الحديثة والقديمة أنفسها، وهذه المدرسة الإبتدائية وفيها يــُعلم بعض العلوم التي لا تزال تــُعد في اليمن مثلا من بواعث الكفر والضلال، وفيها من المعلمين المصري والعراقي والنجدي». وفي السياق نفسه يتحدث الريحاني عن أمر آخر أدهشه وهو وعي البحرينيين السياسي في ذلك الزمن المبكر فيقول: «في البحرين كما رأيت نهضة سياسية هي قرينة النهضة الأدبية. أجل، إن في البحرين من ينشدون الوحدة العربية، وفي نادي البحرين من يرفعون النهضتين إلى مستوى الفلسفة العالي ومستوى الإنسانية الأعلى. فقد سمعتُ أيضا تلك الليلة أديب من أدباء الفرس، والفرس مهد الفلسفة والحرية الروحية، يذكر الشاعرين الصنوين عمر الخيام وأبي العلاء المعري. قال محمد صالح الخانجي (يقصد محمد صالح خــٌنجي) اني أحب المعري والخيام واني شغف بأشعارهما، وقد سرني بنوع خاص ما بلغني من ميلك اليهما وغرامك بأفكارهما.. إن البشر لم يزالوا كما كانوا ما سلف من الزمان وكما وصفهم المعري والخيام .. إن الأديان الحنيفة روحها واحد وإنما تختلف الشرائع التي تتضمن أحكام المرافعات وفصل الخصومات .. فالأديان بروحها ومغزاها تدعو للاجتماع والاتحاد .. الشرقيون كلهم عائلة واحدة .. خلاصهم وسعادتهم في أن يسود النظام بينهم والوفاق والتضامن». ومن الأمور الأخرى التي تطرق إليها مؤلف «ملوك العرب» الإرسالية التبشيرية في البحرين والتي وصفها بالمعهد الأمريكي ذي الأصل الديني والعملين الطبي والتهذيبي «، حيث أوضح أنه ليس من المعجبين بالمرسلين أو ممن يستحسنون التبشير بالأديان، مضيفا أنه زار المعهد الامريكي المؤلف من «كنيسة يخدمها قسيس ومدرسة كانت يوم زرت الجزيرة مغلقة، ومستشفى وصيدلية يديرهما طبيب فاضل وبعض السيدات اللواتي يساعدنه ويبثن، عملا لا قولا، روح التهذيب والارتقاء»، وتيقن أن المعهد يستطيع مضاعفة وتعميم خيره لو أقلع عن التبشير وحصر نشاطه في أعمال البر والطبابة والتعليم بدلا من الهداية الروحية «لأن المسلمين وخصوصا العرب منهم راضون رضى عجيبا بدينهم ولا يرغبون في سواه بديلا. وأكثرهم لذلك يبتعدون عن المدارس التي يديرها المرسلون». ويدعم الريحاني رؤيته هذه بالقول «إن المرسلين أنفسهم ليعلمون ذلك، فهم في مدة خمسين سنة لم يتمكنوا من هداية (يقصد تنصير) خمسة من المسلمين فما الفائدة من التبشير إذن؟ فحبذا مدارس إمريكية، لا مفزعات دينية». لكن دعك من كل ما سبق واقرأ ما كتبه الريحاني عن يوم إقامته الأول في البحرين: «مما أدهشني في اليوم الأول من إقامتي في البحرين - وليس فيما أقول غير الجد والإعجاب – تلك الأتــُن البيض التي تفوق حسنا ونشاطا حمير الحسا (الأحساء). ومعلوم أن حمير الحسا ملوك الحمير. وأتـــُن البحرين أميرات الأتــُـن. أما السبب في حسنها وسمنها وتدملك ربلاتها، وفي نشاطها المقرون بالحكمة، فهو أن أهل البحرين يطعمونها السمك ثم يفكــّهونها بالتمر. وهذا مخزن السمك وكأنه مخزن قمح أو شعير، ترى فيه السمك الصغير الذي يصنعون منه السردين في أوروبا مركوما كركام الرمل. فهم يجففونه ويبيعونه مثل القمح أو الشعير بالأكياس (يبدو أن أحدا لم يشرح للريحاني أن تلك الأسماك تجفف وتباع أيضا من أجل صناعة المهياوة). ويتطرق الريحاني إلى ما يسميه صعوبات في السفر «لايصلح لها آلة أو إنسان»، ويشرح أن تلك الصعوبات واجهته يوم جاءه بعض الأدباء لدعوته لزيارة الشيوخ في المحرق، فيقول: « كانت ساعة الجزر فلم نستطع الوصول إلى الجلبوت الذي كان في البحر إلا إذا اخترقنا السبخة حفاة وخضنا المياه حتى الركاب. فركبنا الأتــُن إلى الجلبوت». ثم يضيف «ليس كل من يبحرون من المنامة والمحرق أو إليهما يركبون الأتــُن ساعة الجزر، بل أكثرهم رجالا ونساء، وقد شمروا عن السيقان وما فوقها في بعض الأحيان، يخوضون المياه بين الشاطيء والجلابيت وهم يمزحون ويضحكون كأنهم يسبحون ويلعبون». وفي رأي الريحاني أن مشهدا من مشاهد الرقص في باريس، أومشاهد السباحة في مصيف الأثرياء في بيارتز بفرنسا لا يضاهي في البهاء ذلك المشهد البحريني الذي «أغرب ما فيه أن النساء المحجبات يشمرن كالرجال، فلم أتمالك دهشتي وبيدي آلة التصوير، إذ رأيت إحدى النسوة تنزل من الجلبوت إلى المياه وقد شمرت فقال رفيقي: شيء مألوف. خذ صورتها ولا بأس، فصورت آية النشور، أما الوجه فمحذور». خصص الريحاني الصفحات من 221 وحتى 293 للحديث عن تاريخ البحرين القديم والأوسط ووصف جغرافيتها وآثارها القديمة من مقابر وقلاع ومساجد، ومذاهب أهلها، ولهجاتهم المحكية، وعيونها الطبيعية، عارجا على دور الفينيقيين الأوائل في حضارتها، والحروب التي شهدتها حتى استتب الحكم فيها لآل خليفة الكرام، ودور هذه الأسرة الكريمة في نهضتها وكيفية تعاملها مع سلطة الحماية البريطانية وعلاقاتها مع الأسر الحاكمة في دول الخليج المجاورة، واصفا بدقة مجالس شيوخها ومن كان يرتادها من أعيان وأدباء وشعراء. ثم انتقل بعد ذلك للحديث عن صيد اللؤلؤ شارحا المصطلحات المستخدمة فيه من «محار» و»صدف»، و»طواش» و»مجني» و»عزاب» و»نوخذة» و»غيص» و»سيب» و»رضيف» و»تبــّاب» و»نهام» و»ديين» و»زيبل»، ومذكرا بأثر هذه الصناعة على معيشة البحرينيين في تلك الحقبة، وما راكمه من ثروات عند البعض كنتيجة لمغامراته في مجاهل الخليج والمحيط وأسفاره إلى بمباي لتسويق محاصيله من اللؤلؤ الطبيعي، وعلاقته بـ «البانيان» الهنود الذين استوطنوا البحرين خصيصا من أجل أن يكون لهم قصب السبق في شراء الأجود من اللآلىء البحرينية. لذا فليس من المستغرب أن يظل كتاب «ملوك العرب» حتى يومنا هذا مؤلفا موسوعيا يغرف منه الباحثون المعلومة عن وطر مضى، وصور إضمحلت في اليمن وعسير والحجاز ونجد والبحرين والكويت والمحمرة والعراق، رغم مرور أكثر من 80 عاما على ظهوره. وليس من المستغرب أيضا أن يصف المستشرق الألماني «إ. إس. يهودا» الكتاب بأنه لم ير كتابا أكمل وأحسن وأنفع وأبدع منه، مضيفا: «هو يفوق كل ما كتب إلى الآن في هذا الموضوع». أما فيصل الأول أول ملوك العراق فقال عنه: «إنها رحلة عجيبة يا أمين وسيكون فيها ولاشك فوائد كثيرة للعرب». كما أن جريدة «بومباي كرونكل» الهندية خصت هذا الكتاب، الذي ترجم إلى الروسية والألمانية والإسبانية والفرنسية والفارسية والإيطالية والأردية والتركية والعبرية، بالمديح فقالت أن «كتاب ملوك العرب مهم للغاية لأنه أطلع العالم على ما كان مجهولا لغير رجال السياسة حول منطقة الشرق الأوسط، لذا يستحق أمين الريحاني كل التهنئة لنجاحه في إنجاز هذا العمل الرائع».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها