النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

من توصيف الأزمة إلى معالجة الأزمة

رابط مختصر
العدد 8941 الأربعاء 2 أكتوبر 2013 الموافق 26 ذو القعدة 1434

في ضوء المعطيات الواقعية المرتبطة بتحولات الأزمة السياسية التي عاشتها وما تزال تعيش تداعياتها مملكة البحرين منذ فبراير 2011م وحتى تاريخه، والجهود المبذولة لمعالجتها، ما يزال البعض يعمل على أن تدور الأمور في حلقة مفرغة، بدءا من نقطة التشخيص ومرورا بالتداعيات والأسباب والمسببات، ووصولا للمخارج والحلول، وهذا هو عين التخبط والافتقار إلى القدرة على التحليل والتوصيف، أو عين الخلط المتعمد للأوراق هروبا من مواجهة الحقائق. فهنالك من يتحدث عن حركة اجتماعية مدنية للحريات، وهنالك من يتحدث عن حالة إرهابية لا يمكن أن تعالج إلا بالقانون، وهنالك من يقول إنها حالة من الاصطراع الطائفي ببعديه المحلي والإقليمي.. والحقيقة أن المسألة مركبة من كل ذلك، وهي خليط متداخل من أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية، وليس الإرهاب والعنف ببعيد عنها وليست الطائفية بغريبة عنها وليست المطالبات السياسية بمزيد من الديمقراطية ببعيدة أيضا. فالمشكلة الرئيسية لمن يريد تشخيصا قريبا من الواقع، ويساعد على تلمس الطريق إلى الحل تتمثل أولا في وجود الأحزاب الطائفية نفسها، إذا ما اتفقنا أن الأحزاب الطائفية سيئة ومرفوضة ومخيفة ومخيبة للآمال، ومفسدة للأحوال، لأنها تسهم في تقسيم المجتمع، وتخريب بنيانه، فإن أقصر السبل لإصلاحها يتمثل في حلها. ولكن هذا الحل غير واقعي، لأن حلها وهي تهيمن على الجماهير وتحرك الطوائف التي لم تحتكر في يوم من الأيام خدمة الوطن ولا الجماهير، ولم تصادر حق الآخرين في تكوين أحزابهم متى شاءوا، والطريق إلى الجماهير لا يمر بالضرورة عبر الطوائف، وقد جرب اليساريون والإسلاميون خلال نصف قرن من الزمان او يزيد، تخطي الطائفة إلى الجماهير من خلال محاولة استقطابها، بعيداً عنها وحققوا قدراً ملحوظا من النجاح، ولكنه لم يكن نجاحا كافيا أبدا، ولكن المشكلة أن هنالك من يعجبه ويخدم مصلحته الضيقة وجود تخندق طائفي، فيعمل على تعزيزه، وتغذيته يوميا، بالمال والوقود الطائفي، وقد عاينا خلال الأزمة التي تعيشها البحرين، محاولة بعض اليساريين، وبكامل إرادتهم، التحالف مع الطائفية لأهداف جمعت بينهم (تتراوح بين المطالب الإصلاحية إلى المطالبة بإسقاط النظام، إلى الإعلان عن الجمهورية إلى ممارسة العنف العبثي الفوضوي!!)، ولكنهم لم ينجحوا بالرغم من شعاراتهم التزيينية في إخفاء الحشد الطائفي وفقا لمصفوفة الثقافة الطائفية التي يزدحم عليها المزدحمون ويتخطفها ذوو الأجندات، وقد أحيا هذا الفعل حشدا مقابلا، في سياق ردود الأفعال وإحياء المخاوف، بما أفضى في النهاية إلى تخندق أو ما يشبه التخندق المقابل. المشكلة هنا أن إلغاء الطائفية بادعاء إمكانية إصلاح أحزابها كما يدعي البعض هو حيلة ساذجة، لأن من رهنوا عضويتهم في الأحزاب الطائفية أو التحالف معها بإمكانية إصلاحها، بما يضمن لهم جماهيرية الطائفة، دون الالتزام بمقتضياتها أو بثقافتها، لا يمكن توصيف مواقفهم إلا بانتهازية التي أفضت إلى بنتائج كارثية. ولذلك فلا مناص من تطوير دور الجمعيات السياسية، بتحريرها من الطائفية قانونا وممارسة والتزاما، حيث لا ينحصر مفهوم الديمقراطية في حق التعبير عن الآراء، بل يشمل أيضا العمل على تحويل ما ينادي به الأفراد إلى خطط عمل مشتركة باقتراحات واقعية وعملية تساهم في تقدم الوطن، وهذا هو الدور الرئيس للأحزاب السياسية، وبالمقارنة مع ديمقراطيات مرت بتجربة التحول حديثاً، كما في أوروبا الشرقية خلال تسعينيات القرن الماضي، تطلب التحول الديمقراطي عدة دورات انتخابية، وامتد لأكثر من عشر سنوات في اغلب هذه البلدان من أجل انتقال الأحزاب المنقسمة وذات البنية الضعيفة إلى حالة من التجمع والاندماج، وصولاً إلى أحزاب حقيقية تعمل على مستوى وطني، تساهم في البناء الديمقراطي، وتقوم بمهامها بشكل فاعل، وهذا إذا ما حدث سوف يؤدي تدريجيا إلى إعادة ترتيب العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على النحو الذي تكون فيه السلطة التنفيذية خاضعة للمساءلة النيابية من خلال آلية منح الثقة أو حجبها، وقد عززت التعديلات الدستورية الأخيرة تطوير آلية منح الثقة، حيث يتوجب على الوزارات ضرورة الحصول على أغلبية نيابية للحصول على الثقة في برنامج عمل الحكومة باعتباره المحك الرئيسي لهذا العمل، فنهوض السلطتين التشريعية والتنفيذية بمسؤولياتهما تجاه الوطن والمواطن يتطلب تطوير علاقة تشاركية خالية من ضغط النواب على الحكومات لتحقيق مكاسب خاصة، وأن تتوخى هذه العلاقة تحقيق الصالح العام لا غير، وتضافر جهود الجميع وتعميق نهج العمل المدني الديمقراطي الذي من أخص مستلزماته مراجعة تشكيل وبناء الأحزاب على أسس طائفية، ورفض تشكيل الحكومات على أسس المحاصصة الطائفية التي دعا إليها ذات يوم أحد زعماء المعارضة، سوف تؤدي إلى الشلل الكامل في العمل الحكومي. ولا شك أن التدرج في النهج الإصلاحي سوف يؤدي في يوم من الأيام إلى القبول بإدخال آلية للتشاور المسبق مع مجلس النواب للتوافق على تشكيل الفريق الحكومي، وعلى برنامج العمل الحكومي، وهذا أمر يتم التدرج فيه وفق تقدم العمل البرلماني وعلى عدد من الدورات البرلمانية القادمة، أي خلال عقدين من الزمان من استقرار الأوضاع والثقة بالنظام الديمقراطي الوطني القائم على التوافق بالدرجة الأولى وليس على المغالبة العددية.. هنالك اليوم فرصة حقيقية لتستعيد البحرين القدرة على مواصلة الجهود الوطنية لاستكمال حلقات حوار التوافق الوطني في جانبه السياسي، بما ينتظر منه من مخرجات إضافية من شأنها تعزيز المشاركة الشعبية وإعادة رسم الأدوار والعلاقات بين السلطات الثلاث، وبما يحفظ للبحرين تقدمها واستقرارها ووحدتها الوطنية في إطار الثوابت التي أجمع عليها شعب البحرين في ميثاق العمل الوطني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها