النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

تبي شغل؟.. روح عند عبدالله ناس!

رابط مختصر
العدد 8936 الجمعة 27 سبتمبر 2013 الموافق 21 ذو القعدة 1434

أبناء جيلنا الخمسيني والستيني، كما أبناء جيل هذا العصر، كانوا ينتظرون حلول إجازة المدارس الطويلة في الصيف على أحر من جمر. بيد أن الفارق الوحيد هو أن أبناء جيل اليوم يفعلون ذلك من أجل الاسترخاء واللهو، أو أملا في السفر مع العائلة للاصطياف في الخارج، كيلا نقول تخريب المدارس، وقطع الشوارع، وحرق الإطارات على نحو ما يفعله البعض منذ واقعة الدوار المشؤومة، أما أبناء جيلنا فقد كانوا يفرحون لقدوم إجازة الصيف المدرسية لكي يشمر كل واحد منهم عن ساعديه، باحثا عن عمل يدخر من ورائه شيئا من المال من أجل الإنفاق على مستلزماته الشخصية التي لم تكن أسرنا وقتها قادرة على تلبيتها بسبب ضعف إمكانياتها المادية ومداخيلها الشهرية. ومما أتذكره أن السفر إلى الخارج أثناء الإجازة المدرسية كان حلما بعيد المنال ليس بالنسبة لأبناء الطبقات الفقيرة فحسب وإنما أيضا بالنسبة لأبناء الطبقات الموسرة مع بعض الاستثناءات. وكانت هذه الاستثناءات تنحصر في السفر بواسطة المراكب الشراعية إلى الخبر أو الكويت أو الدوحة، وأحيانا السفر جوا إلى شيراز بواسطة الطائرات العتيقة ذات المروحتين عبر مطار الظهران الدولي. وتحضرني هنا حكاية أحد الزملاء الموسرين في المرحلة الثانوية الذي اضطر لقطع دراسته من أجل السفر مع والده المريض إلى لندن كمرافق ومترجم، فكان الزميل مبعث حسدنا رغم ما كان يكابده من ألم بسبب ظروف والده الصحية الحرجة. وحينما عاد من لندن ودخل علينا الصف تجمعنا حوله فاغرين أفواهنا وكأن نجما من نجوم هوليوود هبط علينا فجأة، لا لنسأله عن والده العليل، وإنما لنسأله عن مغامراته ومشاهداته في عاصمة الضباب التي كان الوصول إليها وقتذاك عصيا لمن في مثل أحوالنا. أما هو فقد انتهز ولعنا وشغفنا بأخباره فراح يمزج الحقيقة بالخيال ويسرد قصصا متبلة بالبهارات و»التشليخات» عمن قابل وعما رأى واكتشف ومارس واشترى وتذوق. في ذلك الزمن لم تكن نوعية العمل مهمة. فقد كنا على استعداد للقبول بأي وظيفة، في أي مكان، وبأي راتب، وتحت أي مسمى وشروط. كان المهم لدينا أن نقبض في آخر الشهر بعض الروبيات لشراء ملابس جديدة، أو الإنفاق على الحاجات الترويحية، أو اقتناء الكتب والمجلات القادمة من القاهرة وبيروت، فنزيح بذلك عن كاهل آبائنا بعض المسؤوليات. شخصيا أتذكر أني عملت في إحدى الإجازات ككاتب على الآلة الطابعة في أحد البنوك. وفي إجازة أخرى عملت كموظف استقبال في أحد الفنادق، وكنت أثناءها موضع حسد الأصدقاء لأن وجباتي الثلاث كانت مجانا ومن أشهى أطباق الفندق. وفي إجازة ثالثة عملت في محل تجاري، وكانت تجربة رائعة لا أنساها لأنها أتاحت لي فرصة الاحتكاك بنماذج بشرية متنوعة من المتسوقين من داخل البحرين وخارجها. وفي إجازة رابعة لم أجد أمامي سوى العمل في ترتيب ملفات المرضى في إحدى العيادات الطبية فقبلت به مرغما، لكن من حسن حظي أن ممرضة العيادة، التي كان علي التعامل معها كل يوم، كانت رائعة الجمال والقوام. وفي إجازة خامسة عملت مدرسا خصوصيا لابن أحد الأثرياء المدللين الذي كان قد رسب في مادة اللغة العربية وكان عليه التقدم لامتحانات الدور الثاني، وحينما اجتاز تلك الامتحانات بنجاح كافأني والده بمبلغ مالي معتبر جعلني أطير من الفرح والسعادة. كان بحث الطلبة عن العمل يسبق بدء الإجازة بأسابيع وأشهر، وتـُستثمر فيه الواسطة وعلاقات وصداقات الوالد أو الأخ الأكبر أو العم أو الخال. لذا لم يكن اليوم الأول من الإجازة يبدأ إلا وكل واحد منا قد عرف إلى أين يتجه، وما الوظيفة التي سيشغلها على مدى أربعة أشهر تقريبا. من ناحية أخرى كان أرباب الأعمال في ذلك الزمن كرماء وعطوفين على الشباب وصبية المدارس اليافعين من أبناء جلدتهم، ويقدرون حاجتهم لتحسين أحوالهم المعيشية وتطلعهم إلى الكسب الحلال وتنمية مهاراتهم من خلال عمل شريف. فكانوا لا يترددون لحظة واحدة في إفساح المجال أمامهم للعمل والتدرب وسط جو من الاحترام والثقة وعدم التمييز المذهبي أو المناطقي. وفي هذا السياق يمكن سرد قائمة طويلة من أسماء شخصيات طبيعية واعتبارية لعبت دورا في بحرين الخمسينات والستينات لجهة توظيف طلبة المدارس وتدريبهم وبالتالي تحسين أحوالهم المعيشية الصعبة. من هؤلاء شركة نفط البحرين «بابكو» وشركة «براون أند روت» الإمريكية التي عملت في المقاولات قبل تحولها إلى أعمال الحفر وصيانة حقول النفط تحت إسم «هاليبيرتون»، وشركات يوسف بن أحمد كانو، وعبدالهادي العفو، وعلي كريمي، وعلي إبراهيم العالي، وحاجي منصور العالي، وأحمد منصور العالي، و»هلال الموت ومكي التمام»، إضافة إلى أصحاب المحال التجارية الذين كانوا يوظفون طلبة المدارس صيفا في متاجرهم كباعة أو «كرّانية» (هل تعرفون معنى كراني يا شباب اليوم؟) ناهيك عن بعض الدوائر الحكومية كالبلديات والأشغال والكهرباء والبريد التي كانت تفعل الشيء ذاته. غير ان اسم المغفور له «عبدالله أحمد ناس» يظل هو الاسم الأبرز في ذاكرة جيلنا لأنه كان الأكثر كرما في توظيف طلبة المدارس أثناء إجازتهم الصيفية، والأكثر تفهما لاحتياجاتهم، بل الأكثر صبرا على مشاغبات وحيل بعضهم إلى الحد الذي شاعت معه عبارة «تبي شغل؟ روح عند عبدالله ناس» أي «إذا كنت في حاجة إلى عمل فلن ينقذك سوى عبدالله ناس». وفي اعتقادي أن هذه الصفات النبيلة التي كان يتحلى بها المرحوم «بوسمير» كانت نتاج تجربته الشخصية، وكفاحه الطويل، واغترابه خارج الحدود من أجل تحقيق طموحاته منذ أن كان شابا يافعا. والذي يطلع على سيرة وتجربة الرجل سيكتشف ذلك بسهولة. فهو غادر البحرين في شبابه إلى المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية بحثا عن فرص العمل المجزية الكفيلة بتحقيق طموحاته في الارتقاء بأحواله المعيشية وقدراته المهنية، واتخذ من مدينة الخبر تحديدا مكانا لإقامته كي يكون قريبا من المقر الرئيسي لشركة أرامكو التي منحته فرصة العمل والتدرب، بل التي حصل منها لاحقا على مناقصات بعد أن أثبت جدارته وحاز على ثقة رؤسائه. لكن قبل ذلك، وبسبب تمكنه من اللغة الانجليزية، عمل الرجل لفترة قصيرة في «بنك السويس والهند الصينية» (البنك السعودي الفرنسي حاليا) في فرعه بالخبر، حيث تسنى لي وأنا صبي يافع أن أراه للمرة الأولى وهو منهمك في عمله المكتبي في ذلك المصرف الذي كنت أتردد عليه من حين إلى آخر لاستلام مخلفات الرسائل التي كان يجمعها لي صديق للعائلة من موظفي البنك بغرض تزويدي بالطوابع البريدية. وتمر الأيام والسنون، ويعود الرجل إلى البحرين بعد عقد ونيف من الاغتراب ليدشن أعماله الخاصة في مجال المقاولات والإنشاءات التي حولته في زمن قياسي إلى قطب من أقطاب المال والأعمال الكبار في منطقة الخليج، لكن دون أن يصاب بأمراض النفخة الكذابة والتعالي والغرور التي عادة ما تصاحب الأثرياء من ذوي النعمة الطارئة. ثم تشاء الصدف قبل عدة سنوات أن ألتقي به وجها لوجه في أحد المجالس، فإذا به يقبلني مصافحا وكأنه يعرفني منذ أمد بعيد، ويشد على يدي قائلا: «لقد أعجبتني مقابلتك في تلفزيون البحرين مع سوسن الشاعر حول النظام وطرق التربية وثقافة العلم والعمل في آسيا، والأمثلة الجميلة التي أوردتها، فليتنا نتعلم منهم» ثم أضاف: «لماذا أنت مقل في الترويج لهذه القيم النبيلة؟ ولماذا لا يستفيدون منك ومن تخصصك الأكاديمي؟». طبعا أحتفظ هنا لنفسي ببقية ما دار من حديث في تلك الأمسية الجميلة التي لم تتبعها أمسيات مماثلة لأن الرجل دخل بعدها في رحلة المرض والعلاج الطويلين التي انتهت بانتقاله رحمه الله إلى جوار ربه في اواخر يوليو 2013. هكذا كان رجل الأعمال والمحسن الكبير عبدالله أحمد ناس، متواضعا وشغوفا بمتابعة تلك النماذج العالمية ذات الصة بقيم المثابرة، والاستغلال الأمثل للوقت، والتفاني في العمل وتنظيمه وإنجازه على أفضل وجه. ولعل هذا هو أحد أهم أسرار نجاحه ونجاح كل من عمل معه ونهل من تجربته الثرية وفي المقدمة منهم أولاده الذين كان يوظفهم ويدربهم ويحمّلهم المسؤوليات شيئا فشيئا أثناء الإجازات المدرسية مثلما كان يفعل مع الآخرين. وفي هذا السياق يقول ابنه البكر «سمير» في مقابلة أجرته معه صحيفة «الأيام» ان والده كان يدربه مع شقيقه سامي في الصيف على العمل معه بممارسة الأعمال البسيطة كأن يعطيهما مسؤولية الكتابة، أو يرسلهما للتأكد من سير العمل، أو يوظفهما كـ «تنديل» مقابل أجر شهري لا يزيد على 15 روبية. ويضيف قائلا ان والده كان يهدف من وراء ذلك «إدخالنا في جو العمل وتشجيعنا على تعلم المهنة والاندماج فيها مبكرا». رحم الله عبدالله أحمد ناس رحمة واسعة، فقد كان نبيلا في أخلاقه، شهما في تعاملاته، صادقا في توجهاته، وعطوفا على الفقراء والمحتاجين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها