النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

الشعب هو الضحية في سوريا

رابط مختصر
العدد 8935 الخميس 26 سبتمبر 2013 الموافق 20 ذو القعدة 1434

إذا ما حاول أي مراقب محايد أن يقرأ دفتر حسابات نتائج الحرب السورية الطاحنة، فبوسعه أن يكتشف، دون الحاجة للدخول في التفاصيل الدقيقة للعمليات العسكرية وتداعياتها الاقتصادية والسياسية أو الاجتماعية، أن جميع الأطراف الضالعة في تلك الحرب القذرة قد خرجت بعد أن حققت لنفسها أرباحا مادية ومعنوية، باستثناء الشعب السوري الذي دفع ضريبة باهظة الثمن، لحرب فرضت عليه، ولم يأخذ أحد رأيه فيها جملة وتفصيلا. جردة سريعة للنهايات التي آلت لها تلك الحرب، والنتائج التي أفرزتها، ستكشف المكاسب التي حققها جميع الأطراف باستثناء ذلك الشعب السوري المسلوب الإرادة، الذي لم يكن أمامه خيار آخر سوى أن يكون ضحية لهذه الحرب. ولنبدأ بالولايات المتحدة، ومن خلفها جميع الحلفاء الذين أدخلتهم معها في أتون تلك الحرب، فبخلاف ما يبدو على السطح، بأن نظام واشنطن قد جر ذيول الخيبة حين فشل الرئيس الأمريكي في نيل التأييد الداخلي، والمباركة الخارجية، اللتين كان في أمس الحاجة لهما لشن حرب «شعواء» على سوريا ينهي من خلالها حكم بشار الأسد، لكننا لا نستطيع ان ننكر أنه اقتحم أسوار المنظمة الدولية التي أحيل لها ملف التسلح الكيماوي السوري، والذي حينها لن يكون بعيدا عن أصابع واشنطن، التي لن تتردد في تحريكه في الاتجاه الذي تختاره له. هذا لا يعني تبسيط المسألة والقول أن الأمم المتحدة لعبة في يد الولايات المتحدة تحركها متى شاءت، وفي الطريق التي تحددها لها هي، لكن النفوذ الأمريكي ما يزال قويا فيها وليس هناك من بوسعه إنكاره. من هنا ربما تكون واشنطن لم تنجح في دق طبول الحرب على دمشق، لكنها، أيضا لم تبتعد كثيرا عن مواقع التأثير التي تبيح لها إعادة رسم الخارطة السياسية الشرق أوسطية بما لا يتناقض جوهريا مع مشروعها الذي تطرحه منذ ما يزيد على عقدين من الزمان لهذه المنطقة الحساسة بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة الدولية. أما موسكو، فهي الأخرى خرجت وهي تجني أرباحا قاتلت بشراسة كي لا تفقد أيا منها. فإلى جانب نجاحها في المحافظة على نظام حليفها الوحيد في هذه المنطقة، بما في ذلك الإبقاء على تواجدها العسكري المباشر في قاعدة طرسوس العسكرية، التي تبيح لها حضورا عسكريا في مياه البحر الأبيض المتوسط، ونفوذا معترفا به في المنطقة العربية، هناك الاعتراف الدولي الصريح، أنه حتى بعد تهاوي الكتلة السوفيتية، والتي كانت تمد موسكو بنفوذ متعاظم في ملاعب الدبلوماسية العالمية، ما تزال روسيا دولة عظمى لا تستطيع واشنطن أن تصول وتجول في تلك الملاعب دون التنسيق معها. ومن ثم فقد استعادت موسكو مكانتها العالمية، وباعتراف دولي علني. هذا لا يضعف منافستها الدولية واشنطن فحسب، بل يقوض نظرية نظام القطب الواحد التي لم تكف هذه الأخيرة تروج لها كي تستأثر بمفردها بصنع القرارات الدولية. حلفاء الأسد، وفي مقدمتهم طهران، خرجوا هم الآخرون بحصيلة لا يستهان بها من المغانم النهائية في المعركة الأخيرة، فقد أبقت محصلة تلك الصراعات على الحليف اليتيم لإيران في منطقة الشرق الأوسط، والحديث هنا عن الأنظمة وليس الفصائل الأخرى. هذا أولا، أما ثانيا، فقد أضافت إيران ملفا جديدا هو ملف الأسلحة الكيماوية السورية يساعدها على الحرب التي تخوضها، ضد تحالف قريب من التحالف المعادي لدمشق. كل ذلك لا بد وأن يخفف من شدة الضغوط التي تمارس ضدها في هذا الشأن. ومن ثم فبوسع إيران مستفيدة من هذه الحالة المستجدة أن تعيد ترتيب صفوف تحالفاتها من جديد لتحقيق مكاسب جدية على جبهة «الملف النووي الإيراني» أولا والحضور الشرق الأوسطي ثانيا وليس أخيرا. تل أبيب هي الأخرى لم تخرج صفراء اليدين من تلك النهايات، فبالإضافة إلى المكسب المباشر وهو خروج سوريا منهكة من تلك الحرب، بغض النظر عمن سيصل إلى الحكم فيها، ومن ثم فقد ضمنت صمت جبهة الجولان لفترة ليست بالقصيرة بالمقياس العسكري، هناك أيضا مشروع تفكيك ترسانة السلاح الكيماوي السوري، سواء من خلال مصادرة ما هو موجود، أو الحيلولة دون بناء أي شكل من أشكال التسلح الكيماوي، فيما لو أثبتت اللجنة الدولية لتقصي الحقائق كذب ادعاءات واشنطن. ومن هنا فستنصرف إسرائيل نحو مشاكلها الداخلية، بعد ان تصفي حساباتها الجارية مع الجبهة الفلسطينية. طرفا الصراع المباشران، وهما بشار الأسد والقوى المعارضة له، هما أيضا كانت لهما حصتهما من كعكة الغنائم. فقد فشلت مشروعات اسقاط النظام، وأصبح هناك ما يشبه الاعتراف الضمني أن بند إزاحة الأسد لم تعد في بنود جدول أعمال الحلف الدولي الذي تشكل ضده، والذي مد الجبهة المناوئة له بالكثير من الدعم الذي وفر لها عناصر القوة التي أبرزتها خلال العام المنصرم، وبالتالي فأي مشروع حل قادم، لا يملك إلا أن ينطلق، على الأقل في المستقبل المنظور، من استمرا ر الأسد فوق كرسي الحكم. أما الجبهة المناوئة للأسد، فمن غير المنطقي، ولا المتوقع، ألا تكافأ هي الأخرى بحصة من الغنائم الموزعة، ربما تصل إلى مشاركة ولو بنسبة بسيطة في أي تركيبة جديدة للحكم في سوريا. وقراءة متمعنة لسلوك تلك الجبهة، تقود إلى احتمال عدم تردد بعض العناصر القيادية فيها القبول بأي فتات يرمى لهم من فوق طاولة الحل الدبلوماسي. وحده الشعب السوري الذي عانى، وسيواصل المعاناة وتقديم التضحيات، حتى بعد أن تسكت طبول الحرب. فمن بوسعه أن يرجع عقارب ساعة الزمن للوراء، فيعوضه عن ملايين الضحايا من شهداء ومشردين أبرياء، وينتشل الاقتصاد السوري مما فرضته عليه سنوات حرب طاحنة، وقائمة أخرى طويلة من الخسائر التي لن يتكبدها أحد آخر سوى الشعب السوري لوحده. بكل المقاييس الشعب هو الخاسر الوحيد في سوريا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها