النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10966 الخميس 18 أبريل 2019 الموافق 13 شعبان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:52AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

طموحات موسكو وخيبات واشنطن على حساب سوريا

رابط مختصر
العدد 8930 السبت 21 سبتمبر 2013 الموافق 15 ذو القعدة 1434

ليس سرا اذا قلنا ان الخلافات الروسية الأمريكية هي التي خرجت منتصرة من الاتفاق الخاص بتفكيك الأسلحة الكيماوية السورية، ولم تعط هذه الاتفاقية التي توصل اليها وزيرا خارجية أمريكا جون كيري والروسي سيرجي لافروف في جينيف اي ميزة نوعية للشعب السوري الذي لا يزال يتعرض للقصف والقتل والتشريد يوميا على يد نظامه الدموي الذي خرج منتصرا دبلوماسيا من أزمة قتله 1400 مواطن بالغاز في ريف الغوطة قرب دمشق. فعندما يشكك خبراء استراتيجيون متخصصون في مجال الأسلحة الكيماوية في امكانية تفكيك المخزون الكيماوي السوري خلال عام وتحديدا قبل نوفمبر 2014 وفقا لاتفاق كيريلافروف، فهذا أمر يجب ان ننظر اليه بجدية. وطبيعي الا يكون المرء أيا كان محللا او كاتبا، متخصصا في هذا المجال العسكري، فما بالنا بهذا النوع الصعب من التخصص.. وهنا نلجأ مباشرة الى آراء الخبراء المتخصصين، وننقل عن مجموعة منهم اتفقوا جميعهم في استحالة تنفيذ الاتفاق المشار اليه.. وتلك هى الأسباب: - من الصعب التزام سوريا بمهلة الشهرين لاستقبال خبراء منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية، وكذلك فان إتلاف تلك الترسانة التي تقدرها الولايات المتحدة وروسيا بنحو ألف طن بحلول نوفمبر 2014 يعد أمرا خياليا نظرا لاستمرار الحرب الأهلية.. ويعتقد الخبراء ان تفكيك مثل تلك الأسلحة يستغرق عدة سنوات ويتكلف مئات الملايين من الدولارات، وهذه المبالغ تتحملها سوريا بالطبع، وهي ليست قادرة في الوقت الراهن على انفاق مثل هذه المبالغ لانها تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة وتستهلك معظم موازنتها في شراء الأسلحة وتسديد كلفة الحرب التى تأكل الاخضر واليابس. - ترك اتفاق جنيف تحديد المهل والاستحقاقات الخاصة بمراجعة مخزون الأسلحة السوري وكيفية تفكيك الترسانة الى خبراء المنظمة، وبالتالي لم يعد في أيدي الولايات المتحدة وروسيا. وهنا تقع صعوبات أخرى أمام عملية الإزالة الحقيقية للأسلحة، لان دمشق من جانبها تجيد التعامل في التفاصيل وستضع العراقيل تلو العراقيل امام خبراء المنظمة، ناهيك عن صعوبة توجه الخبراء والمتخصصين الى منطقة المعارك. - التخلص من المخزون السوري للأسلحة الكيماوية يتم بطريقتين: إما تحويله إلى رماد أو تحليله بالمياه، وهذا يستدعي تكلفة اكثر وجهدا مضنيا ووقتا طويلا. وننتقل هنا الى مكونات المعادلة السورية الحالية، والمكون الأول في المعادلة الصعبة هو المعارضة والتي تمثل جزءا كبيرا من الشعب السوري حتى نكون منصفين سياسيا، لان النظام ايضا له أنصاره ومريدوه.. تلك المعارضة أحست بغبن وظلم كبيرين من الاتفاق بعد اقتراب الأمل من توجيه ضربة عسكرية أمريكية دولية مؤلمة للجيش السوري ردا على استخدامه السلاح الكيماوي ضد شعبه ومقتل 1400 شخص بخلاف الجرحى والمشوهين. فالمعارضة لم تبد ارتياحا لمثل هذا الاتفاق المخيب للآمال بالنسبة لها، لان نجاح روسيا في فرض رؤيتها على الولايات المتحدة في مثل هذا الصراع، من شأنه تشجيع بشار الأسد على الاستمرار في سلوكه العدواني داخل سوريا ومنحه الحيز السياسي والغطاء الدولي – الروسي الصيني - الذي يحتاجه لتصعيد حملته العسكرية ضد شعبه. ولم يضع النظام السوري الوقت، حيث سارع غداة الاتفاق الى تصعيد وتيرة القصف الجوي على المدن والقرى السورية في جميع أنحاء البلاد. فالمعارضة تخشى من ان يكون النظام السوري يستغل الاتفاق لكسب الوقت وتمييع المواقف بعد أن شعر وحلفاؤه بجدية التهديد الدولي بضربة عسكرية. وبذلك تكون التهديدات الأمريكية-الغربية باللجوء الى البند السابع من ميثاق الامم المتحدة قد ذهبت ادراج الرياح. وهنا تعتقد المعارضة انها تلكأت في التنبيه على المتفاوضين في جينيف على أهمية ان يتضمن أي اتفاق بين موسكو وواشنطن حظرا ايضا على استخدام الجيش السوري لسلاح الطيران والصواريخ الباليستية وضرورة إعادة نشر الأسلحة الثقيلة بعيدا عن المراكز السكانية وحظر استخدامها في قصف المدن والقرى. وانه اذا كان اتفاق جنيف قد منح الأسد الفرصة للإفلات من العقاب بسبب المبادرة الروسية التي انقذته من براثن ضربة جوية دولية، فليس مطلوبا من العالم ان يترك الجيش السوري ليواصل قتل الشعب السوري. ناهيك عن ان الاتفاق لم يتضمن بندا مهما من وجهة نظر المعارضة وهو عدم معاقبة المسؤولين عن استخدام السلاح الكيماوي وإحضارهم إلى العدالة أمام محكمة دولية. ونأتي للمكون الثاني في المعادلة، ولن نقول إسرائيل وحدها هذه المرة ولكن سنربط معها الولايات المتحدة، التي أسرع وزير خارجيتها كيري الذهاب الى تل أبيب لاطلاع بنيامين نتنياهو على فحوى اتفاق جينيف وليبعث في قلبه الاطمئنان بان ما توصل اليه مع نظيره الروسي لقادر تماما على تجريد الأسد من السلاح الكيماوي. وقد نعتقد هنا ان الولايات المتحدة ممثلة في كيري تحاول غش حليفتها. ولكن كيف؟..فنتنياهو يري ان المحك هو الالتزام السوري ببنود الاتفاق وان الحكم على ذلك أمامه بعض الوقت، ومن ثم فان النتيجة معلقة حتى حين، خاصة وان إسرائيل ترى في الاتفاق عيوبا وليس مزايا، بل يصل الأمر الى التشكيك فيه، خاصة من حيث مواعيد التنفيذ ومدى التزام دمشق بالتنفيذ، وهو ما أكدت عليه تل أبيب صراحة بان الاتفاق ينقصه استمرار التهديد بضرب سوريا في حال تخليها او تقاعسها عن الالتزام بتدمير اسلحتها الكيماوية وفقا لتقارير خبراء منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية. وإسرائيل ترى هنا ان ما توصل اليه كيريلافروف مجرد عملية تضليل نجحت في تنفيذها روسيا لتأجيل اي ضربة لسوريا وإنقاذ نظامها الحليف الوثيق لموسكو. نعود الى مكونات المعادلة السوداء وتحديدا نظام بشار الأسد الذي اعتبر الاتفاق نصرا له حيث جنبه الحرب والتعرض لضربات جوية وعسكرية كان من المؤكد ستصيب قواته بالضعف. وهذا النصر السياسي وفرته موسكو لحليفتها دمشق، فلولا الدبلوماسية الروسية، لما تم تأمين اي هروب للأسد من وقع الحرب، فنجاح الدبلوماسية الروسية سلب من الولايات المتحدة إمكانية التحرك وحرمها بعض الشيء من ورقتها العسكرية، ولكنه لم يترك لها سوى احتمال ان تعود مجددا الى تهديداتها العسكرية اذا فشلت تماما المساعي السياسية. ما نود ان نقوله، ان لدى المعارضة السورية الحق في التشكك حيال مواقف واشنطن من قضيتها العادلة، خاصة في ظل فرض موسكو مواقفها الدبلوماسية على واشنطن وقدرتها على مدى أيام التفاوض في جنيف على تحويل مواقف الاتحاد الأوروبي ومعها الولايات المتحدة من توجيه ضربة الى النظام السوري من أجل اجهاضه الى توقيع اتفاق يعد بمثابة طوق النجاة الى الأسد، واختزال الأزمة السورية في مجرد اسلحة كيماوية. فقد نجحت روسيا في لعب دور البطل والمخرج والمعد لكل ابعاد الأزمة، لتثبت للعالم انها لاعب رئيسي صعب تجاهله، وهذا للمرة الثانية، فبعد معظم مواقفها مع الصين حيال الأزمة النووية الإيرانية، دخلت المعضلة السورية لتخرج منها منتصرة لتعيد أمجادها كقوة عظمى تناطح الولايات المتحدة مثلما كان الحال في الأيام الخوالي إبان عهد الاتحاد السوفيتي، خاصة بعدما ارتبك المشهد الامريكي والأوروبي حيال الضربة العسكرية لسوريا والخوف من ردة فعل غاضبة من الشعوب خشية التورط في نزاع عسكري طويل الأمد. ولكن اذا كان للأزمة ابعاد وانتصارات لروسيا وسوريا، فان ثمة اخفاقات لبشار الأسد تتعلق في موافقته السريعة على المبادرة الروسية والتي كان من الصعب القبول فيها في وقت سابق لانه سيضطرالى التخلي عن جزء مهم من ترسانته العسكرية، مما يجعل النظام قد يشعر بالمهانة والضعف أمام تهديدات الضربة العسكرية واحتمال اللجوء للفصل السابع، وهذا ربما يجعله ايضا رهينة لاي مطالب روسية لاحقة بعدما انقذ رقبته من حبل المشنقة. نخرج من الأزمة السورية الآن بنجاح طموحات موسكو، ويقابلها خيبات واشنطن، فروسيا هي التي استفادت من ابعاد الأزمة ليعود الدب الروسي لاعبا مهما على الساحة الدولية. كاتب ومحلل سياسي بحريني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها