النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

سيد قطب في مرايا نجيب محفوظ

رابط مختصر
العدد 8929 الجمعة 20 سبتمبر 2013 الموافق 14 ذو القعدة 1434

في 30 أغسطس 1966 نفذ حكم الإعدام شنقا في المفكر الإسلامي والناقد الأدبي «سيد قطب»، أول من كتب عن «نجيب محفوظ» وأشاد بموهبته، وبعد أربعين عاما وفي اليوم نفسه من عام 2006 رحل «نجيب محفوظ» عن عالمنا ولم يتنبه أحد إلى المصادفة التي جمعت بين تاريخ رحيل الرجلين إلا هذا العام، فتسابقت الأقلام والألسنة إلى الحديث عن هذه المصادفة التاريخية التي دفعتني إلى أن أعود إلى ما كتبه «نجيب محفوظ» عام 1972 عن «سيد قطب» فى روايته «المرايا» .ورواية «المرايا» واحدة من أهم أعمال «نجيب محفوظ» وقد كتبها بعد توقف استمر خمس سنوات، عاد خلالها إلى كتابة القصة القصيرة، بعد أن نشر عامي 1966 و1967 روايتيه «ثرثرة فوق النيل» و«ميرامار» اللتين كانتا بمثابة نبوءة بانهيار المشروع القومي فى طبعته الناصرية، وقال آنذاك إن «المرايا» تتناول صورا فيلمية للشخصيات التى عرفها واتخذ منها أساسا للنماذج البشرية التى يزدحم بها عالمه الروائي. وبين زحام 55 شخصية قدمتها الرواية معظمهم من آحاد الناس رأى القراء صورة «سيد قطب» فى مرآة «نجيب محفوظ» ضمن عدد من الشخصيات العامة القليلة الذين وقفوا أمام هذه المرآة على الرغم من محاولته تغيير بعض التفاصيل وهو ما فعله مع هذا النمط من الشخصيات إما لضرورة فنية تتعلق ببناء الرواية، التي تقدم صورة لأنماط بشرية عرفها المجتمع المصري خلال المرحلة بين ثورة 1919 وهزيمة يونية 1967 أو لمجرد التمويه حتى لا تتطابق الصورة فى ذهن القارئ مع الأصل. وعلى الرغم من ذلك، فإن الخطوط العامة لسيرة حياة «عبد الوهاب إسماعيل» ـ وهو الاسم الذى يظهر به «سيد قطب» في مرايا «نجيب محفوظ» ـ لا تكاد تختلف مع المعروف عن سيرة «سيد قطب» .. ابتداء من عينيه الجاحظتين الحادتين اللتين لم يسترح لهما المؤلف حين تعرف عليه في أحد الصالونات الأدبية اثناء الحرب العظمى الثانية، وحتى عمله كمدرس للغة العربية، ونشره لفصول في النقد وقصائد من الشعر التقليدي في المجلات الأدبية، إلى اعتلال صحته، ومن تعاطفه مع الوفد إلى انشقاقه عنه، وحملاته العنيفة ضده فى بداية الخمسينيات ثم انتقاله إلى كتابة كتب عصرية عن الدين الإسلامي لاقت نجاحا منقطع النظير، وقربته من جماعة الإخوان المسلمين، ومن مجلس قيادة الثورة، مما أوحى لصديق مشترك بأن يقول لـ««نجيب محفوظ» بأن اسمه سيلمع قريبا.. لكن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن، فحدث الصدام بين ثورة يوليو والإخوان.. واعتقل «عبد الوهاب إسماعيل» وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات، غادره بعدها ليتلقى عرضا للعمل بالخارج.. ثم اتضح أنه كان ضالعا فى مؤامرة جديدة للإخوان.. انتهت ـ طبقا للرواية ـ بمقاومته للقوة التي ذهبت للقبض عليه حتى أصيب بطلقة قاتلة. ولا أهمية هنا، لاختلاف بعض تفاصيل سيرة حياة «سيد قطب» عن سيرة حياة «عبد الوهاب إسماعيل» ومنها أن الأول تخرج من دار العلوم لا من الأزهر، ومات مشنوقا ولم يصرع برصاصات الشرطة، لأن الخطوط العامة لسيرته الشخصية التي عكستها «المرايا» تكاد بعد ذلك تتطابق مع الأصل .. أما المهم فهو أن «نجيب محفوظ» يعترف بأنه لم يلق من «سيد قطب» إلا «معاملة كريمة أخوية» واعترف بأنه أثار اهتمامه واحترامه بقوة منطقه وهو يناقش أشخاصا من المعروفين بثقافتهم الواسعة واطلاعهم العميق على اللغات الأجنبية التي لم يكن يعرفها، وأنه امتاز أيضا «بهدوء الأعصاب وأدب الحديث» ولذلك لم يداخل «نجيب محفوظ» الشك في حدة ذكائه ومقدرته الجدلية حتى بدا له أذكى من هؤلاء جميعا، وكان يبدو شابا عصريا في أفكاره وملبسه وأخذه بالأساليب العصرية في الطعام وارتياد دور السينما.لكن الجانب الآخر من شخصية «سيد قطب» تكشف لنجيب محفوظ حين اثنى أمامه مرة على كاتب قبطى شاب قائلا: إنه شاب ذكي ومطلع وحساس ذو أصالة فى الأسلوب والتفكير، ولما طلب منه «نجيب» ـ وكان مغرما بالكاتب ـ أن يكتب عنه قال بحزم: لن اشترك فى بناء قلم سيعمل غدا على تجريح تراثنا الإسلامى بكل السبل الملتوية». وصارحه بأنه لا ثقة له بأتباع الأديان الأخرى وحين سمعه يعبر عن احتقاره لكاتب آخر صاحب مجلة ومطبعة ودار نشر، ويكرر أنه لولا مجلته لما وجد مجلة أخرى تنشر له كلمة، ثم فوجىء به ينشر مقالا في مجلة «الرسالة» يرفع فيها صاحب هذه الدار إلى السماء.. فحار في تفسير ذلك، إلى أن علم بأنه اتفق مع الرجل على نشر كتاب له نظير أجر ممتاز لم يظفر بمثله كاتب، فأزعجه اكتشاف هذا الجانب الانتهازي في شخصيته، وساوره الشك فى صدقه وأمانته.. واستقر في نفسه ـ رغم صداقتهما ـ نفور دائم منه.. وحين سمع أنه انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، سأله عن ذلك فقال بغموض «أي مسلم عرضة لذلك» ولما عبر له «نجيب» عن اسفه لأنه نبذ النقد الأدبي رد عليه ضاحكا: يا لها من تمنيات جاهلية. وكان آخر لقاء جمع بينهما حين ذهب «نجيب محفوظ» عام 1965 ليهنئ سيد قطب بالإفراج عنه بعد أن أمضى في السجن عشر سنوات، ودون مقدمات خاض في المسائل العامة، فقال «على المرأة أن تعود إلى البيت لا بأس أن تتعلم ولكن لحساب البيت لا الوطنية» وأكد أن «الاشتراكية والوطنية والحضارة الأوروبية خبائث علينا أن نجتثها من نفوسنا» وحمل على العلم حملة شعواء وقال «نحن مسبوقون فيه وسنظل مسبوقين مهما بذلنا.. لا رسالة علمية لنا لنقدمها للعالم .. ولكن لدينا رسالة الإسلام وعبادة الله وحده» واستمع إليه «نجيب محفوظ» بصبر وسأله عن المستقبل، فرد عليه: هل لديك اقتراح؟ فقال «محفوظ»: لدى اقتراح لكني أخشى أن يكون جاهليا.. هو أن تعود إلى النقد الأدبى. وبعد شهور وفى 30 أغسطس 1966، أطلق الرصاص على «عبد الوهاب إسماعيل» أثناء مقاومته للشرطة التى ذهبت للقبض عليه لمشاركته فى مؤامرة للإخوان المسلمين فمات .. وفي اليوم نفسه وبالتهمة نفسها شنق «سيد قطب». وبعد أعوام وفي منتصف التسعينيات طعن أحد مريديه والمتأثرين بأفكاره «نجيب محفوظ» بسكين في رقبته فشلّ يده اليمنى عن الكتابة، وبعد أربعين عاما من رحيل سيد قطب، وفي اليوم نفسه رحل «نجيب محفوظ» من دون أن تتحقق أمنيته في أن يعود «سيد قطب» ومن ساروا على دربه، إلى ما يعرفونه، إذًا لو كانوا قد فعلوا ذلك، لكان أفضل لهم. وللأمة .. وللإسلام!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها