النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

حسبوه مدفع الإمساك فإذا به غارة جوية

رابط مختصر
العدد 8929 الجمعة 20 سبتمبر 2013 الموافق 14 ذو القعدة 1434

قلت في أكثر من مقال ومحاضرة حول العلاقات البحرينية – الإيطالية إنه إذا ما استثنينا المبادلات التجارية بين البلدين والتبادل الثقافي والسياحي في العقود الأخيرة، فإننا لا نجد فيها شيئا ماضويا مثيرا كتلك الأشياء التي نعثر عليها في علاقات البحرين مع بريطانيا العظمى وغيرها من القوى الاستعمارية الغربية. وأضفت أن جزءا من هذه الحقيقة يرجع إلى أن إيطاليا لم تكن من القوى الاستعمارية قبل الحرب العالمية الاولى، وبالتالي لم تمد بصرها إلى منطقة الخليج من أجل الهيمنة والنفوذ كما فعل البريطانيون والفرنسيون والهولنديون والبرتغاليون في وقت مبكر. لكني استدركت موضحا أن تاريخ علاقات البحرين بإيطاليا به حادثان مهمان: الأول سلبي، والآخر إيجابي. أما الحدث السلبي فقد تمثل في قيام سرب من المقاتلات الايطالية بالإغارة على مصافي تكرير النفط في جزيرة سترة في 18 أكتوبر 1940 أي في خضم الحرب العالمية الثانية، وذلك بهدف حرمان الحلفاء من النفط البحريني المكرر الذي كانوا يزودون به طائراتهم وسفنهم الحربية. وأما الحدث الإيجابي فقد تمثل في قيادة الدبلوماسي الإيطالي الرفيع السنيور «فيتوريو ويسبير جيوشياردي» في عام 1970 للبعثة الأممية الخاصة بتقصي الحقائق حول رغبات وتطلعات الشعب البحريني في ما خص مستقبله السياسي في ظل استمرار الادعاءات الإيرانية السقيمة حول السيادة على كامل التراب البحريني، وقرار الحكومة البريطانية بالانسحاب من منطقة الخليج وإنهاء معاهدات الحماية مع إماراتها ومشيخاتها في موعد أقصاه اليوم الأخير من ديسمبر 1971. وأطلقنا صفة «إيجابي» على هذا الحدث لأن الدبلوماسي الإيطالي قام بعمله بحرفية ومهنية عالية، وتفان وإخلاص شديدين، وبذل جهدا جبارا على مدى 19 يوما لاستطلاع آراء كل مكونات الشعب البحريني عبر المقابلات الشخصية مع رموز المجتمع والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والتجارية والفنية والأندية الرياضية، ومن خلال الزيارات الميدانية لمدن وقرى وضواحي البلاد، ناهيك عن استلام الرسائل ممن لم يستطيعوا لسبب او آخر الوصول إليه، قبل أن يكتب تقريره النهائي الموسع ويبعث به إلى السيد «يوثانت» السكرتير العام للأمم المتحدة وقتذاك، والذي رفع التقرير بدوره إلى مجلس الأمن في جلسته رقم 1536 المنعقدة في 11 مايو 1970. تلك الجلسة التاريخية التي لم يغب عنها اي دولة من الدول دائمة العضوية او غير دائمة العضوية، وتم فيها إصدار القرار الأممي رقم 278 بالموافقة بالإجماع على التقرير المقدم من «جيوشياردي» والذي كان من أهم فقراته ذلك الذي أكد بأن «الأغلبية الساحقة لشعب البحرين ترغب في أن تنال الاعتراف بذاتيتها ضمن دولة مستقلة وذات سيادة تامة، وحرة في أن تقرر بنفسها علاقاتها مع الدول الأخرى». وما يعنينا هنا على وجه الخصوص هو الحديث عن الحدث السلبي الذي تطرق إليه بعض المؤلفين بإيجاز شديد في كتبهم حول تاريخ البحرين الحديث دون الدخول في تفاصيله وأسراره المثيرة. وبذلك ظل هذا الحدث وتفاصيله خافية على المهتمين بتاريخ المنطقة عموما، وتاريخ البحرين خصوصا، إلى أن قام مؤرخ بحريني شاب هو الأستاذ «حمد عبدالله» في عام 2009 بنشر كتابه الموسوم بـ «أيتوري ميوتي.. أسطورة إيطاليا الفاشية». في هذا الكتاب المتميز الذي سد به صاحبه فراغا في المكتبة الخليجية والعربية يسلط المؤلف، عبر صفحات كتابه التي تجاوزت المائة والخمسين صفحة، الضوء بالتفصيل الدقيق المدعم بالصور الفوتوغرافية النادرة على الطيار الإيطالي «أيتوري ميوتي» الذي قاد عملية الإغارة على مصافي النفط البحرينية، ويتحدث بالاسهاب عن مكانة الرجل في جيش إيطاليا الفاشية، وعلاقته بالزعيم الفاشي «بينيتو موسوليني»، قبل أن ينتقل للحديث عن الخطط التي وضعت لضمان وصول سرب المقاتلات التي قادها من قواعدها في إيطاليا إلى أهدافها في الخليج بنجاح في زمن لم تكن فيه التكنولوجيات العسكرية قد بلغت ما بلغته اليوم من تطور مذهل، ناهيك عن الحديث حول الخطط التي وضعت لضمان هروب المقاتلات إلى مكان آمن بعد تنفيذ مهامها. كما يتطرق المؤلف في كتابه إلى المصاعب التي واجهها «ميوتي» ورفاقه من الطيارين أثناء تلك الرحلة الشاقة التي قطعوا فيها 4300 كيلومتر بعيدا عن قواعدهم وقواعد الدول الحليفة لإيطاليا، وطاروا خلالها فوق دول معادية في ثلاث قارات وسط ظروف جوية صعبة. ولم ينس المؤلف التطرق في ختام كتابه إلى النهاية المأساوية للطيار «ميوتي» الذي وجد مقتولا بطلقة رصاص في غابة بعيدة عن الأنظار بالقرب من مدينة «فرجينيا» في 24 أغسطس 1943، فكان بذلك من أوائل ضحايا الحرب الأهلية الإيطالية التي اندلعت بين مؤيدي موسوليني ومعارضيه. ومما يجدر بنا اطلاع القارئ عليه هو أن «ميوتي» كان يحظى بمكانة عالية وشعبية كبيرة في الأوساط الإيطالية، ولعب أدوارا في صياغة تاريخ إيطاليا الحديث، بل لقب بسبب ذلك بـ «فارس الدوتشي بينيتو موسوليني» و»ابن الحزب الفاشي المدلل»، و»القدوة التي يجب على الشباب الاقتداء بها». لذا فإن اختياره لمهمة الطيران الشاقة إلى الخليج لضرب مصافي النفط البحرينية لم يأت من فراغ. على أن هناك أسبابا أخرى لهذا الاختيار تكمن في حب «ميوتي» الشديد للمغامرة وولعه بتنفيذ المهام الصعبة. حيث يُروى أنه قرر في عام 1936 القيام بمغامرة عسكرية استهدفت العاصمة الأثيوبية أديس أبابا، فقاد إحدى المقاتلات المزودة بثلاثة محركات دون علم قيادته نحو أديس أبابا، وفاجأ سكانها بغارة جوية من علو منخفض. كما يـُروى أن «ميوتي» اشترك بحماس في الحرب الأهلية الأسبانية عام 1936، والتي كانت إيطاليا الفاشية تدعم فيها الوطنيين ضد الجمهوريين المدعومين من الاتحاد السوفيتي والمكسيك. حيث قام بقصف معاقل الجمهوريين وأغرق سفنهم وكبدهم خسائر فادحة إلى الدرجة التي قام معها الجمهوريون بوضع مكافأة ضخمة لمن يقبض عليه حيا أو ميتا. إلى ذلك تروي المصادر التاريخية أن «ميوتي» كان من أوائل الذين اقتحموا مطار تيرانا الألباني دون مقاومة حينما استسلم الألبان للقوات الفاشية المحتلة، وهرب ملكهم «أحمد زوغو الأول» إلى اليونان. كما انه قام بقصف عشوائي على مصافي النفط في فلسطين أثناء خضوع الأخيرة للهيمنة البريطانية، وتحديدا مصفاة حيفا التي ألحق بها خسائر جسيمة وحريقا هائلا بدليل العثور على رسالة منه موجهة إلى موسوليني يقول له فيها: «إذا أردت أن ترى أكبر حريق شهده العالم، فتعال إلى حيفا». ويقال ان موسوليني بعد سماعه لتلك الأخبار أطلق على «ميوتي» اسم «جيم نيرو» نسبة إلى الإمبراطور الروماني نيرو المتهم بحرق روما في عام 64 للميلاد. يقول حمد عبدالله في كتابه المشار إليه آنفا أن «ميوتي» كان متأثرا بأفكار صديقه وزميله الجنرال «باولو موتشي»، أحد أبرز طياري القوات الإيطالية، والذي كان بدوره متأثرا بنظريات القصف الجوي الاستراتيجي المكثف التي وضعها الجنرال الإيطالي «جوليو داوهيتي»، والتي طبقت بنجاح أثناء حرب إيطاليا على الدولة العثمانية في ليبيا في عامي 1911 و1912. ويضيف المؤلف أن فكرة قصف مصافي البحرين كانت من بنات أفكار «موتشي»، وهو من خطط للعملية، ومن اختار «ميوتي» لقيادتها، بل هو أيضا من حدد نوعية الطائرات المغيرة من نوع «سافويا مارجيتي إس إم 72» التي كانت وقتذاك من أحدث الطائرات الموجودة في الخدمة العسكرية. انطلقت عملية الإغارة على سترة من جزيرة رودس اليونانية التي كانت تحتلها إيطاليا، واشتمل السرب المكلف بها على أربع طائرات، كل منها تحمل طاقما من ثلاثة أفراد من سلاح الجو الملكي الايطالي. أما الخطة الموضوعة فتضمنت التحليق فوق مياه البحر الأبيض المتوسط فأراضي قبرص ولبنان وسوريا قبل الطيران فوق الأراضي السعودية وصولا إلى البحرين، ومن ثم الفرار -بعد تنفيذ الغارة- نحو أثيوبيا أو الصومال الإيطالي والهبوط في مطار «مصوع» الأثيوبي أو «زولا» الصومالي، حيث كانت السلطات الإيطالية المحتلة قد أعدت عدتها لاستقبالهم وتزويد طائراتهم بما يلزمها من وقود للعودة إلى قواعدها عبر خط آمن بعيد عن هجمات الحلفاء الانتقامية المحتملة. ومما يذكر في هذا السياق أن سرب الطائرات المغيرة تعرضت فوق الأراضي السعودية الشمالية لأحوال جوية صعبة، وهو ما تسبب في تخلف إحدى الطائرات الأربع عن زميلاتها بسبب انعدام الرؤية، وتحليقها بمفردها في مسار مختلف. وكانت النتيجة أن هذه الطائرة التائهة اتجهت صوب مصافي النفط السعودية في الظهران بدلا من مصافي سترة البحرينية، وألقت بقنابلها خطأ على ساحل العزيزية بالخبر قبل أن تهرب في اتجاه أثيوبيا. ويدعي الطيار «باولو موتشي» الذي شارك شخصيا في الغارة في مذكراته أنها كانت ناجحة، ويستغرب من قيام السلطات البحرينية بإنارة مدرج الهبوط في مطارها، ويقول «لم يفكر البحرينيون ولو للحظة إذا ما كانت تلك الطائرات القادمة طائرات معادية!»، كما يستغرب من ترك مصافي النفط في سترة مضاءة. غير ان الحقيقة هي أن الغارة الايطالية كانت فاشلة بدليل عدم إصابتها لأي من أهدافها، وسقوط القنابل (132 قبلة بوزن 15 كلغم لكل منها) بالقرب من المصافي دون أن تنفجر كلها. وفي اسباب فشل غارة يقودها طيار عسكري خبير ومحترف مثل «ميوتي» قيل ان الصدفة لعبت دورا في ذلك، حيث تبين ان العاملين في حقل سترة اقدموا قبل الغارة بأيام على تغيير مواقع مشاعل النفط المستهدفة فتبدلت بذلك مواقع المشاعل المبينة في خرائط «ميوتي» ورفاقه. ومن الطرائف التي سجلت حول هذه الواقعة التي حدثت بعد الساعة الثالثة فجرا بقليل من يوم 17 رمضان 1359، أن الكثيرين من سكان البحرين، وبعض حراس شركة بابكو المناوبين، اعتقدوان أن أصوات انفجار القنابل ما هي الا أصوات مدافع الامساك لشهر رمضان، فيما ظنت عائلات موظفي بابكو من البريطانيين والأمريكان أن زلزالا كبيرا قد وقع بسبب تساقط أغراضهم المنزلية عليهم جراء قوة الانفجارات. ومن تداعيات هذا الحدث ان عائلات بريطانية وامريكية كثيرة ارتحلت عن البحرين بحرا وجوا خوفا على ارواحها من غارات محتملة جديدة، وأن الكثيرين في البحرين والظهران لجؤوا للمبيت خارج منازلهم للسبب نفسه. كما قامت السلطات برش المباني والطرقات بالزيت، وإصدار تعليماتها إلى أصحاب المركبات بطلاء أنوارها باللون الأسود كي تنعدم الرؤية ليلا، وتنصيب مدافع مضادة للطائرات حول مصافي النفط تحسبا لغارات جديدة، وردم عدد من آبار النفط خوفا من قصفها وتدميرها. إلى ذلك قامت جريدة البحرين بنشر مقالة تدعو فيه مسلمي العالم إلى إعلان الجهاد ضد مملكة إيطاليا المعتدية، كما اجتمع أعيان البحرين بقيادة الحاكم المغفور له الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة في 25 نوفمبر 1940 بالقرب من حديقة بلدية المنامة لدعم جهود الحلفاء العسكرية ضد دول المحور، فتم تأسيس ما سـُـمي بـ «صندوق الطائرة الحربية الخليجية» بهدف جمع الأموال الكافية لشراء طائرة حربية مقاتلة لصالح سلاح الجو البريطاني. وقد تم بالفعل جمع المال الكافي لشراء الطائرة الحربية المطلوبة التي أهديت إلى بريطانيا العظمى باسم البحرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها