النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11560 الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 الموافق 16 ربيع الآخر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:44AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مطارحات

الخروج من المتاهة ليس مثل دخولها..!

رابط مختصر
العدد 8925 الإثنين 16 سبتمبر 2013 الموافق 10 ذو القعدة 1434

يبدو اليسار منشغلا في الوقت الراهن بتحالفاته مع رموز الحركة الدينية في ترجمتها الأكثر طائفية «بغض النظر عن التحسينات اللفظية التي تم إدخالها مؤخرا» مبتعدا عن التجربة التقدمية في الفكر والسياسة والتي كانت في الأصل والهدف منتجا حداثيا، وصارت الآن تحلق خارج فضائها الرّحب بعلة «انسداد الآفاق السياسية». وبدلا من ان يتجه يسارنا الى دعم مسار التجربة التعددية الوليدة، والتي تقع داخل الحد الأدنى الحداثي المشترك الذي أنتج توافقا وطنيا وتجربة تعدّدية قابلة للتطوّر، فقد فضل الانصياع إلى الإغراءات المتصلة بالرغبة العارمة في الوصول الى السلطة «وهي رغبة -وان كانت مشروعة من وجهة النظر الديمقراطية- فهي تبدو خارج سياقها التاريخي، نتيجة للسير وراء قوى غير قادرة على فهم حركة التاريخ». صحيح ان العديد من المحددات المرتبطة بتعريف الانتماء لليسار قد تغيرت اليوم: فالطبقات الاجتماعية لم تعد كما كانت من قبل، لا من حيث تركيبها ولا من حيث وظيفتها. فالصراع في المجتمعات المصنعة يميل اليوم إلى الكفاح من أجل توازن المصالح ولم يعد صراعا طبقيا، فهذه فكرة لم تعد تحظى بأي اهتمام في أوساط المفكرين اليساريين، ولكن، ومع ذلك لا مبرر على الإطلاق لانحرافات بعض اليسار في 3 جوانب على الأقل: أولاً: تزعزع الهوية اليسارية، نتيجة الالتحاق التدريجي بالليبرالية الاقتصادية على صعيد المنظور الاقتصادي الاجتماعي من جهة، وجعل التحالف مع التيار الديني الطائفي البديل لتحالف قوى اليسار التي بدت وكأنها لا تمتلك مشروعا سياسيا خاصا بها في ظل هذه التبعية، حيث بدت هذه التنازلات أقرب إلى الانعطاف الأيديولوجي منها إلى تكتيكات طارئة. ثانياً: جاء الارتماء في أحضان التيارات الدينية والطائفية لمجرد انها أصبحت خزانا للجماهير، حيث إن الجماعات الإسلامية لم تعد مجرد جماعات متشددة، بل أصبحت إطارا سياسيا يحمل مفارقة من نوع ما، فهي تضم قوى مطالبة بالتغيير السياسي، ولكن هذا الإطار الذي يدعو الى التغيير هو ذاته إطار للمحافظة وخزان للأفكار التقليدية المعادية للحداثة والتقدم والحرية. من المؤسف ان بعض يسارنا فضل الارتباط بهذه القوى لقناعته بانها قادرة على احداث التغيير، ولكن ما هو هذا التغيير وما مضمونه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟؟ كما ان التأكيد على أهمية الحفاظ على الهوية اليسارية لليسار لا يعني أن يتخذ اليسار موقفاً معادياً للدين ولا حتى موقفا سلبيا من الإسلام السياسي، لكنه يعني بأن لا تصبح المرجعيات الدينية – الطائفية صاحبة الرأي والقرار في العمل السياسي، لا سيما إذا تعلق الأمر ببناء الدولة والحريات العامة والخاصة وتحقيق مدنية الدولة. حيث أدى هذا التحالف إلى بناء نوع من «الاتحاد ضد السلطة»، لان التحالف يحيل بالضرورة إلى نوع من التغايّر والتضادّ في مرجعيات الأطراف الداخلة فيه، بل يحيل إلى مواقف سلبية لا تخدم الإصلاح السياسي والاقتصادي الذي كانت تعيشه البحرين في معتركها للتقدم التدريجي نحو أفق أوسع من العدالة والحرية والديمقراطية، بل إن بعض المواقف والتصريحات بدت في بعض الأحيان اقرب إلى منطق «النكاية»، منه إلى الموقف السياسي الذي يخدم حركة التاريخ ومصلحة القوى الديمقراطية – التقدمية في النهاية.. ثالثاً: العجز عن التأثير في حركة الواقع، وضعف تأثيره في المجتمع وعجزه شبه الكامل عن استقطاب الجمهور الواسع من المواطنين، رغم دوره الفاعل على مستوى الحراك السياسي. بما يتيح القول بان أزمة يسارنا تتمثل في امتلاك «الأفكار والبرامج»، على الصعيد النظري، و»أسوأ الممارسات» على الصعيد التجربة العملية، والعجز بالتالي عن إنجاز أيّ من المهام المعلنة، بسبب التشخيص الخاطئ لطبيعة المجتمع والسلطة معا، وبالتالي العجز عن تحديد محركات وأولويات التغيير. إن القوى التي نشأت وتطورت تاريخياً بوصفها معارضة ديمقراطية علمانية «يسارية أو غير يسارية» تستمد شرعية حضورها من وضوح برامجها السياسية وصدقية تحالفاتها واتسامها بالتناسق مع المبادئ الأساسية للتيار، ومن اعتمادها النشاط السلمي أسلوباً في نضالها، والتمسك بدولة القانون وباليات العمل الديمقراطي، وبذلك فقط تكون قادرة على كسب ثقة المجتمع عبر استنباط المهام المناسبة دون مغالاة، ولذلك يفترض بقوى اليسار الديمقراطي التي تناضل من اجل بناء وترسيخ الديمقراطية والحريات والعدالة، أن تصطف وراء هذا الهدف الاستراتيجي الذي ينسجم مع أهدافها الأساسية، فيكون الموقف الديمقراطي - التقدمي داعما لأي توجه إصلاحي للدولة، لا دفعا به إلى الخلف، من خلال ممارسات وتحالفات ومواقف لا تخدم التجربة التعددية، بما يسهم في تأخر تحقيق نتائج ايجابية على صعيد الانجاز الديمقراطي نفسه، حيث ان النكوص أو التراجع في هذا المجال لا يخدم سوى القوى المعادية للديمقراطية، وبوجه خاص القوى الطائفية في كل اتجاه وضمن أي تيار، وهي القوى التي تجمع على رفض الحريات والعدالة الاجتماعية. إن المهمة الأساسية التي يحتاجها اليسار اليوم هي تنفيذ مراجعة فكرية وسياسية واقعية، ضمن الحاجة الموضوعية في الوقت الراهن للالتقاء مجددا بين أطراف اليسار والقوى الديمقراطية المدنية، كقوى علمانية تقدمية لا تخفي علمانيتها ولا تخشى من الحديث عن بناء دولة مدنية قائمة على الفصل بين الدين والدولة، وتحارب الطائفية والطائفيين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها