النسخة الورقية
العدد 11117 الإثنين 16 سبتمبر 2019 الموافق 17 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

الحاجة إلى ثورة على الذات

رابط مختصر
العدد 8924 الأحد 15 سبتمبر 2013 الموافق 9 ذو القعدة 1434

إذا اتفقنا على اعتبار الاعلام هو انعكاس طبيعي ومنطقي لمحصلة الانفعالات التي تعتمل وتتفاعل في داخل الذات، مؤسسة كانت تلك الذات أم فرد، ومن ثم فهو التعبير عما تريد تلك الذات الإفصاح عنه للآخرين، بما يريحها من جانب، وما يخدم طموحها على المستوى الفردي، وبرامجها على الصعيد المؤسساتي من جانب آخر، فسوف نلمس أن الاعلام العربي، الرسمي التابع للسلطات الحاكمة، او ذلك الذي تمارسه المعارضة، ينقسم إلى فئتين رئيستين مركزيتين هما: اعلام رسمي يعتقد ان كل ما يقوم به كمؤسسة حاكمة صحيح بالمطلق، ولا يأتيه الخطأ من أمامه ولا من خلفه، ومن ثم فعلى المواطن على المستوى الفردي، والقوى المعارضة في صورة المؤسسة أن تقبل بما يقوله، وفي حالات معينة، لا ينبغي لها أن تناقش مصداقيته، من ثم يحجر عليها، أي على المواطن والمعارضة المنظمة، أن تمارس أدنى عمليات النقد، حتى تلك التي تحاول الإصلاح من الداخل، وترفض التغيير المنطلق من رفض النظام القائم، وتعمل على الإطاحة به. مقابل هذا الاعلام الرسمي ذي الصيغة النرجسية، نجد إعلام القوى المعارضة المنظمة، والتي هي الأخرى، وهي مخطئة في ذلك، ترى أن كل ما يقوم به النظام، إنما هو، من وجهة نظرها، «ضحك على الذقون»، ولا يعدو كونه محاولات لذر الرماد في العيون، كي يعميها، ومن ثم يفقدها القدرة على كشف عورات برامجه، التي من وجهة نظر تلك القوى، لم يعد هناك من وسيلة للرد عليها سوى رفضها، وتشويه صورتها، ومن ثم أهدافها، في نظر المواطن، من أجل كسبه في صفوفها. وبالمستوى نفسه، ترفض هذه المعارضة، الاستماع لأي أصوات أخرى سوى صوتها، حتى ذلك القادم من أطراف أخرى ليست من بين صفوف المؤسسة الحاكمة. محصلة ذلك نتيجتين منطقيتين هما: الأولى ذاتية داخلية تقوم على تغييب الصوت الثالث الآخذ بالموضوعية منهجا، والجدلية مدخلا، والذي يرى الأمور من أكثر من زاوية تبيح له تشخيص الجيد والسيىء في برامج الجهتين: النظام والقوى المعارضة له، ومن ثم وضع المخرج الصحيح القادر على انتشال البلد المعني من أزمته التي تنهك قوى الأطراف جميعها، وتدخلها في أتون معارك جانبية توصلها في نهاية الأمر إلى طرق مسدودة، تحول دون خروج البلاد من أزمتها، وتقف سدا منيعا، شاءت تلك القوى أم أبت، أمام أي تقدم تطويري يمكن ان يشهده ذلك البلد. الثانية موضوعية، وهي أن حالة الوتر المشدود تلك تدفع الطرفين، بشكل موضوعي، نحو الخارج، وتسهل من خطواته للاستعانة بقوى خارجية كي يتغلب بها على خصمه الذي وضعه في خانة استحالة الوصول إلى حلول وسط مع برامجه. وكي نتحاشى تبسيط الأمور أو تسطيحها، هذه الاستعانة، لا تعني، كما يحلو للإعلام العربي – الحاكم والمعارض - الذي نتحدث عنه، تبادل الاتهامات التي يحاول كل طرف أن يوصم الطرف الآخر بالعمالة للقوى الأجنبية. هذا الاستنجاد بالخارج، هو ظاهرة تاريخية تطورت أشكالها، واكتسبت سمات أكثر تعقيدا مع تطور المجتمعات البشرية، وتنامي سلوك قواها السياسية المعبرة عنها. هذه الحالة والنتيجتين اللتين تولدت عنها تحتاج، من القوى العربية السياسية، سواء تلك الممسكة بزمام الأمور، او تلك التي تدعو إلى التغيير، إلى ثورة على الذات العربية، ثورة حقيقة تتجاوز الشكليات، وطقوس التحسين الشكلية التي لا تمس الجوهر وتكتفي ببعض اللمسات الخارجية، تتمحور حول النقاط التالية: 1. القبول الذاتي الداخلي بان ليس هناك من وصل إلى حالة الكمال، ومن ثم فإن عملية تطور المجتمعات البشرية إنما هي سلسلة متواصلة من التحولات اليومية، التي قد تبدو صغيرة وطفيفة، لكنها، تتراكم تاريخيا، إلى ان تصل إلى النقطة التي تبيح لها التحول النوعي الذي ينقل المجتمع برمته من مرحلة إلى مرحلة أخرى. هذا يعني قناعة داخلية بأن السلوك الذاتي، هو محصلة طبيعية لممارسات بعضها صحيح والبعض الآخر منها خاطئ، لكنها في نهاية الأمر لا تملك إلا أن تكون متجهة نحو التغيير، والتغيير نحو الأفضل. هذا لا يعني الدعوة للكمون وانتظار المجتمع كي يتغير من ذاته، بل على العكس من ذلك هو حث ذاتي للتفاعل مع التغيير القادم والتماثل معه، لكن من خلال الأطر الشرعية لذلك المجتمع، ومن خلال مؤسساته القائمة. 2. القبول الموضوعي بالآخر، والاقتناع الصادق بأن ليس ما يقوله ذلك الآخر خاطئ بالمطلق، بل يحمل في ثناياه الكثير من عناصر الصواب التي تستحق القراءة والتمعن من أجل التمييز بين غثها وسمينها. هذا القبول بالآخر، ينبغي، إن أريد له أن يعطي ثماره الطيبة، له أن يكون جوهريا ينبع من الداخل، وليس شكليا، لا يهدف إلى ما هو أبعد من ممارسة دور المسكنات التي قد توقف الأمل مؤقتا، لكنها لا تستأصل الداء، ولا يمكنها ان تكون الدواء. ولو تمعنا ودققنا فيما ما نشهده من حالات أفرزها ما أصبح يعرف بـ «الربيع العربي»، ربما نكتشف أن الكثير من الأسباب التي دفعت القوى التي انخرطت في ذلك «الربيع»، كان مصدره عدم قدرتها على أن تمارس الثورة على الذات التي تنتشلها من النرجسية التي اوقعتها ضحية، وعت ذلك أم غاب عن بالها، ودفعتها نحو تلك المسارات التي ولدت بدورها موجة من الإحباط في صفوف المواطن العربي، لكونها لم توصله حتى إلى منتصف طريق التطور الذي ما يزال يحلم به، ولا يستطيع إلا الاستمرار في ذلك الحلم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها