النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

كمال الذيب

التاريخ لا تصنعه الإرادات الحرة المطلقة..!

رابط مختصر
العدد 8918 الإثنين 9 سبتمبر 2013 الموافق 3 ذو القعدة 1434

مراجعات في أزمة اليسار 1-3 التاريخ لا تصنعه الإرادات الحرة المطلقة..! «إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكنهم لا يصنعونه على هواهم، فهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم... وفي اللحظات التي يكونون فيها مشغولين بتحويل أنفسهم والأشياء المحيطة بهم إلى خلق جديد، وفي فترات الأزمات على وجه التحديد، نراهم يلجؤون إلى استحضار الماضي لخدمة مقاصدهم، يستعيرون منه الأسماء والشعارات والأزياء لكي يمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ». هكذا كتب ماركس في العام 1848م. قادني إلى استحضار هذه الملاحظة الماركسية لما نلمسه في بعض الأحيان من فقر في الرؤية عند بعض يساريينا الذين تأخذهم النزعة الإرادية نحو تقديم تحليلات ورؤى وحتى «وثائق» ذات طابع لا تاريخي، تستند إلى منزع «إرادي» صرف، وكأنما التاريخ تصنعه الإرادات الحرة المطلقة غير المقيدة بشروط اللحظة التاريخية وقيودها وحدودها، وما تتيحه من إمكانيات وما تفتحه من آفاق، وبذلك غالبا ما يقعون في أخطاء قاتلة، ويتورطون في تحالفات خاطئة، وفي مواقف ينقصها النضج والفهم لحركة التاريخ... ومن تلك الأخطاء التحليلات التي يقدمها بعض مثقفي وسياسيي اليسار حول الحركة الإسلامية بعامة، وقد تجاوز الأمر بالنسبة لبعض أجنحة هذا اليسار مستوى التحليل واقتراح التكتيكات للتعامل مع هذا الإسلام السياسي إلى مستوى بناء التحالفات وإصدار الوثائق السياسية المشتركة ذات طابع «جبهوي»، وهي ظاهرة جديرة بالتحليل من وجهة نظر المرجعية اليسارية نفسها، خصوصا وان هذا اليسار لم يتسن له القيام بعملية مراجعة شاملة لمثل هذه المواقف في ضوء انغماسه في المعركة السياسية التي اختار الانخراط فيها ضد السلطة القائمة من خلال تحالفه مع بعض حركات الإسلام السياسي. ويمكن هنا أن نرصد وجهة نظر اليساريين الذين يرون أن الحركة الإسلامية هي حركة تحرر ثورية «أو إصلاحية»، ولكنها تفتقر للرؤية والتوجيه السياسي، وبالتالي على اليسار أن يقوم بدعمها وأن يسعى للتنسيق معها في مواقع حركية مختلفة، ويستغل رصيدها الجماهيري لتعزيز المواجهة مع السلطة. ومن الواضح أن هذا الموقف هو الاتجاه الأغلب والأوضح بعد أزمة فبراير 2011 بالنسبة لأغلب يساريي البحرين الذين شكلوا حلفا مع القوى الإسلامية في نسختها التي تعبر عنها «جمعية الوفاق»، باعتبارها من قوى المعارضة، وهذا الحلف بدأ مبكرا منذ 2002 وتطور في خط متواز مع تطور وجهة نظر جمعية الوفاق نفسها، ومع تطور وجهة نظر المعارضة التي لم تكن راضية عن تحولات ومجريات المشروع الإصلاحي، لينضم بعد ذلك وتدريجيا عدد من الجمعيات إلى هذا الحلف في فبراير 2011م لما اعتقد الجميع في المعارضة ان النظام أيامه معدودة، وان على من يريد ان يكون له مكان في المستقبل ان ينضم لهذا الحلف المسنود إقليميا ودوليا «كتحالف لقوى ديمقراطية وطنية بديلة».. وهذا الموقف يتعارض عمليا مع وجهة نظر اليسار التقليدي في اغلب البلدان العربية، والتي تبني موقفًا مضادا لحركات الإسلام السياسي عامة، كونها توصف في الغالب الأعم بأنها «حركة فاشية لابد من الوقوف ضدها» «وتستثنى من ذلك حركات المقاومة التي تواجه المستعمرين باعتبارها جزءا من حركة التحرر الوطني»، كما يتعارض هذا التحليل مع وجهة نظر اليسار الراديكالي الذي يرى في حركات وتيارات الإسلام السياسي»حركة فاشية رجعية كما يرى السلطة العربية استبدادية ورجعية أيضا»، وعليه يتوجب معادتهما معا، بنفس الدرجة من القوة، وأنه يجب مواجهتهما معًا. وبغض النظر عن المسارات التي حدثت بعد الأزمة التي شهدتها البحرين وتفاعلاتها المحلية والإقليمية وفشل المعارضة في تحقيق أهدافها التي تم التخطيط لها «وهي استلام السلطة على نمط ثورات الربيع العربي» وعجزها هنا ناجم على الأرجح من طبيعة تركيبتها وافقها الطائفي الذي لم تنجح في التخلص منه او إخفائه «حتى وان ادعت في خطابها الرسمي غير ذلك» والمتمثل في الوقوع في مصيدة البنية الطائفية-الدينية التي لها منطقها الخاص المتناقض مع بنية وافق الخطاب الديمقراطي المدني» وهذه مفارقة مدهشة في تعقب حدود فهمها، كحالة من الشيزوفرانيا السياسية، تجعل من هذه المعارضة وكأنها تعيش حالة من التناقض الداخلي، بما يجعل بنيتها الفكرية مستندة عمليا على نوع من «التقية السياسية» إن صح التعبير على صعيد الخطاب الذي يجعل من الحليف اليساري مجرد مكمل ديكور للصورة الجماعية المصدرة للخارج. وحتى بالنسبة لادعاء بعض قوي اليسار ـ خلال تبريرها للتحالف مع نقيضها الأيديولوجي - بأنها تعمل من خلال هذا التحالف على ترشيد خطاب هذا التيار الديني وتطويره وتوجيهه نحو أفق مدني ديمقراطي، فانه يبدو في بعض الأحيان كنكتة سمجة، او كمجرد ديماغوجيا مركبة، أو كمجرد خدعة، لأن الذي حدث في الواقع هو العكس تماما، فقد أدى تغول التيار الديني- الطائفي إلى ابتلاع اليسار وتحويله إلى رهينة أو إلى مجرد «سكرتارية» للحزب الأكبر، تتكفل بكتابة بياناته وأوراقه ووثائقه. إن الذي حدث في الواقع انه، وبدلا من أن يؤثر «اليسار» في التيار الديني الطائفي، أثر هو فيه، وبدلا من أن يقود صار مقودا مسلوب الإرادة ومحدود التأثير. ولكن يتوجب هنا الاعتراف بان اليسار قد اثر بوضوح في مستوى صياغة الوثائق المرجعية «وثيقة المنامة- وثيقة المبادئ والثوابت» حيث لا يخفى النفس اليساري في اللغة والصياغة والإحالات «والتي تتناقض في أكثر قيمها وثوابتها وحتى لغتها مع أطروحات الاتجاه الديني- الطائفي الرئيسي»، بما يحيل بالضرورة إلى نوع من التأويل لفك هذا اللغز، فمن الواضح على الأرجح ان مثل هذه الوثائق غير مهمة في المستقبل ولن يحتكم إليها على الأرجح في حين سيطرة المعارضة على السلطة، استنادا إلى التجارب السابقة بالنسبة للحركات الإسلامية وتحالفاتها التكتيكية مع القوى اليسارية والليبرالية، في كل من إيران والعراق ولبنان وغيرها. واستنادا إلى منطق العلوم السياسية ذاته، فعندما يتبنى حزب ديني طائفي في بنيته الفكرية وفي ممارساته التفصيلية أطروحات مدنية ديمقراطية وطنية مستجلبة في مجملها من أفق اليسار الديمقراطي، تكون هنالك مفارقة صعبة التصديق، إلا إذا كان هذا الحزب قد تخلى بالفعل عن خلفيته الأيديولوجية وثوابته المعلنة، وتحول إلى حزب يساري ديمقراطي، أو ان العملية كلها مجرد لعبة لغوية إعلامية للدمغجة لا أكثر ولا أقل فالبيانات والوثائق في الواقع لا تعدو كونها رسائل إعلامية للخارج لطمأنة ولكسب مساندة القوى الديمقراطية والحقوقية في الخارج، ولكن ما يحدث حقيقة هو ان ميزان القوى السياسي هو ما سيحسم التوجهات والقرارات، ويكفي هنا ان نذكر بما فعله الإمام الخميني بحزب توده وبمجاهدي خلق بعد الثورة الإسلامية بإيران.. وللحديث صلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها