النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الضربة الأمريكية ليست قريبة

رابط مختصر
العدد 8917 الأحد 8 سبتمبر 2013 الموافق 2 ذو القعدة 1434

إثر خطاب الرئيس الأمريكي الذي ناشد فيه الكونغرس الأمريكي موافقته على توجيه ضربة «تأديبية» لنظام بشار الأسد لاستخدامه الأسلحة الكيميائية، سرت موجة تفاؤل في الشارع العربي، تتمنى وضع حد للأوضاع الإنسانية المتردية في سوريا، وإنهاء الصدامات العسكرية المتلاحقة بين طرفي الصراع هناك، والتي يدفع ثمنها باهظا، ويوميا، المواطن السوري الذي ذاق الأمرين من الانتقام والانتقام المضاد الذي يتعرض له يوميا جراء ذلك المواطن جراء تناوب طرفي الصراع: قوات الأسد، وقوات المعارضة على السيطرة على مناطق النزاع. يبني هؤلاء المتفائلون المتطلعون لقدوم طلائع القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة لإزاحة نظام يرزحون تحت ظلم جلاوزته ما يزيد على النصف قرن، على حالات سابقة أخرى أقربها لهم التدخل الأمريكي في أفغانستان، ومن بعده الكويت، وأخيرا عند إزاحة نظام صدام في العراق. لكن الحقائق تقول عكس ذلك، والظروف التي قادت أمريكا في الحالات الثلاث، وعلى وجه الخصوص الحالة الصدامية، مغايرة تماما، ومن أوجه عديدة للحالة السورية. فعلى المستوى المحلي الداخلي الصرف، لم تنضج الظروف المواتية لتدخل خارجي، فسلوك القوى السورية المعارضة لحكم بشار الأسد ولد شرخا عموديا ثلاثيا في الجبهة الداخلية قسم الساحة السورية إلى ثلاث فئات: الأولى تلك الموالية لنظام الأسد، والتي تربطها به مصالح مادية قوية رسختها عقود من التحالفات المنظورة وغير المنظورة، ومن ثم فهي مستعدة لبذل كل ما في وسعها من أجل استمرار ذلك النظام والدفاع عنه بكل وسيلة تملكها، والثانية تلك التي حسمت أمورها بشكل نهائي وراحت تقاتل النظام تحت رايات القوى المعارضة لذلك النظام، وهي الأخرى لها مصلح مباشرة في الإطاحة به، والثالثة، وهي فئة ليست قليلة، هي اليوم تقف على الحياد بعد معاناتها الطويلة المرة مع نظام بشار، وتجربتها غير الموفقة مع الفئة الثانية. هذا يجعل الساحة الداخلية غير ناضجة، وليست مؤهلة لغزو خارجي يقود إلى رجحان كفة المعارضة مقابل كفة النظام القائم. وتكاد تقترب الحالة الإقليمية العربية من شقيقتها المحلية، إذ لم يرتكب نظام دمشق حماقة مثل تلك قام بها صدام حسين تطاول وغزا الكويت، فحتى التدخل السوري، بما فيه ذلك العسكري والاستخباراتي في الساحة اللبنانية مغاير تماما للحالة العراقية في الساحة الكويتية، الأمر الذي يكرر الشرخ العمودي نفسه هنا مرة أخرى على المستوى العربي، فليس هناك خط فاصل واضح يقسم بين مؤيد لبقاء نظام الأسد، وآخر متعاطف بشكل مطلق مع القوى المعارضة. والحالة تسحب نفسها على المستوى الإقليمي الشرق أوسطي، حيث لم تحظ واشنطن، كما نالت في الحالة الصدامية بالضوء الأخضر من تل أبيب او طهران، فلكل منهما، ومن منطلقات مختلفة مصلحة مباشرة، وربما غير مباشرة أيضا في الحالة الإسرائيلية في عدم الإطاحة، مؤقتا، بنظام بشار الأسد. هاتان الحالتان: المحلية الداخلية، والإقليمية العربية-الشرق أوسطية، رغم ضبابيتهما، وتداخل الألوان في مكوناتهما تزيدان من الأمور تعقيدا وتفقدان أية قوة خارجية تحاول ان تتدخل لحسم الصراع الكثير من العناصر الإيجابية التي تخول لها الاقدام على خطوة مماثلة لما قامت به واشنطن في العراق في العام 2003. حتى على المستوى الدولي، لم تنجح واشنطن في حشد جبهة عالمية متماسكة تؤيد هجومها، حتى المحدود في الشأن الداخلي السوري. فقد تكونت جبهة دولية، لا يستهان بها من بكين وموسكو، لكل منهما، ومن منطلقات مختلفة الإبقاء على نظام الأسد دون تغييرات جوهرية نوعية فيه، في انتظار ظروف أخرى أكثر ملاءمة. هذه الجبهة لا تمانع في أن تجرى بعض التحسينات في صورة النظام، شريطة ان تكون من داخله، ودون ان يؤدي ذلك إلى الإطاحة به. بالإضافة إلى كل تلك العوامل، هناك العامل الأمريكي الذاتي، فالظروف القائمة اليوم في الشرق الأوسط، ليست تلك التي خلفتها هجمات سبتمبر على البرجين في الولايات المتحدة في مطلع هذا القرن، وما تلا ذلك من هيجان شعبي داخلي يطالب بالانتقام من القوى «العربية» التي تقف وراء ذلك الهجوم، نجح الإعلام الأمريكي الرسمي في إيصاله إلى درجة الغليان، مما مهد في مرحلة لاحقة لم تستغرق أكثر من سنتين إلى نيل واشنطن المباركة كي تقدم على غزو العراق. ولعل في اختيار الرئيس الأمريكي باراك أوباما عطلة الكونغرس الذي لن تنعقد أولى جلساته قبل التاسع من سبتمبر فيه الكثير من المراعاة لكل هذه الظروف غير المواتية التي تحدثنا عنها. ومن هنا فمن غير المستبعد ان يكون الغرض من استخدام أوباما للورقة السورية هو تهيئة الأجواء الدولية، من أجل تمهيد الطرق لحل لا يقوم على التدخل العسكري الأمريكي المباشر، ومن ثم الاكتفاء بممارسة ضغوط لتسوية سياسية تنخرط فيها القوى السورية بشكل مباشر وبرعاية من قوى خارجية تقودها واشنطن. لذا فمن غير المتوقع أن تقدم واشنطن على حماقة تتورط فيها في الساحة السورية، وتغوص في اوحالها، وهي بعد لم تنفض عنها ركام ما عانت منه في الساحة العراقية منذ الإطاحة بصدام. وتأسيسا على ذلك فأقصى ما يمكن ان تشهده السورية، وعلى وجه الخصوص على المدى القصير، هو سخونة متوقعة على الجبهة الدبلوماسية، وهو ما بدأه المبعوث العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها