النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

شوارع ديلي وبلغريف وباريت وبارك

رابط مختصر
العدد 8915 الجمعة 6 سبتمبر 2013 الموافق 30 شوال 1434

اعتاد المستعمر الاجنبي أينما حل ان يسمى الشوارع والميادين والمباني بأسماء اجنبية مستمدة من تاريخه الخاص، وشخصياته الوطنية، ومعالم بلده الأم. وفي العالم العربي فإنه بحلول الانظمة الوطنية مكان المستعمر، سواء كان بريطانيا او فرنسيا او ايطاليا، اختيرت لتلك المعالم اسماء عربية، عادة ما كانت ترمز إلى ابطال الاستقلال او اسماء وقائع تاريخية غابرة او اسماء مدن معينة او كانت مستمدة من اسماء السلالة الحاكمة. وفي الدول العربية التي ابتليت بالانقلابات العسكرية لوحظ ان همّ الحكام الجدد الأول لم يكن منصـّبا على تحقيق التغيير المعيشي والتنموي بقدر ما كان منصـّبا على تغيير اسماء معالم العواصم والمدن من شوارع وميادين وجسور وجامعات. وهذا ما لايحدث عادة في الدول المتقدمة التي تعتز بتاريخها ولا تغير فيه لمجرد تغير الانظمة والحكومات. فلو اخذنا مصر كمثال فإننا نجد ان أول ما قام به العسكر على إثر نجاح حركتهم في الثالث والعشرين من يوليو 1952 هو تغيير اسم جامعة فؤاد الأول إلى جامعة القاهرة، وتغيير اسم ميدان الاسماعيلية إلى ميدان التحرير، وتغيير اسم كوبري البحر الاعمى إلى كوبري الجلاء، وتغيير اسم جامعة ابراهيم باشا الى جامعة عين شمس، وتغيير اسم جامعة فاروق الاول إلى جامعة الاسكندرية وتغيير اسم ميدان نهضة مصر إلى ميدان رمسيس وتغيير اسم شارع الملك فؤاد إلى شارع 26 يوليو وهو يوم مغادرة الملك فاروق من القاهرة إلى الاسكندرية بعد نجاح الانقلاب العسكري عليه، وتغيير اسم شارع سليمان باشا إلى طلعت حرب، وتغيير اسم ميدان محمد علي إلى ميدان العتبة الخضراء، وهكذا. الشيء نفسه حدث في العراق بعد نجاح انقلاب الرابع عشر من تموز 1958 على الاسرة الهاشمية المالكة، حيث اختفت من الشوارع والميادين أسماء مثل الملك فيصل، والأمير غازي، والملكة عالية، ونوري السعيد، ومدحت باشا، وحسن باشا، لتحل محلها أسماء جديدة مثل الشعب، والجمهورية، وفلسطين، و14 تموز، وغيرها. وتكرر الأمر في ايران بعد قيام ما يسمى بالجمهورية الاسلامية في عام 1979، حيث تم محو كل الاسماء التي ارتبطت بمرحلة حكم آل بهلوي من «خيابانهاي تهران» أي شوارع طهران لتحل مكانها أسماء مثل «شريعتي»، و»فلسطين»، و»ولي العصر»، أو أسماء من أطلق عليهم النظام الجديد «قادة التحرر في العالم» من أمثال الزعيم الكونغولي «باتريس لومومبا»، وقاتل الرئيس أنور السادات «عصام الاسلامبولي»، والقائد الفنزويلي «سيمون بوليفار»، واللبنانيين «حسن نصرالله» و»عماد مغنية»، واليمني «حسين الحوثي»، و»الشهيد همّت» وهو أحد قادة الحرب العراقية الإيرانية، و»الشهيد قرني» وهو أحد قادة الحرس الثوري، و»بوبي ساندرز» من قادة الجيش الجمهوري الايرلندي. ومن المفارقات التي أتذكرها في هذا السياق أنه حينما ذهبت إلى زيمبابوي للمرة الأولى والأخيرة في أوائل التسعينات، اشتريت كتابا عن تلك البلاد لأتعرف على معالمها وشوارعها استعدادا لزيارتها وتفقدها كسائح، لكني فؤجئت أن كل ما قرأته لا وجود له لأن السلطة الوطنية التي خلفت الحكم الاستعماري كانت قد استبدلت الاسماء المعروفة لشوارع وميادين ومعالم العاصمة «هراري» بأسماء جديدة بهدف «أفرقة» البلاد، وقطع الصلة بكل ما يذكر الناس بالمستعمر البريطاني. واقتضت سياسة الأفرقة هذه تغيير اسم البلاد من روديسيا الجنوبية إلى زيمبابوي، وتغيير اسم العاصمة من سالزبوري إلى هراري، وتغيير اسم شارع غوردون إلى «سلونديكا»، وتغيير اسم شارع برنس إدوارد إلى «سيكي»، وتغيير اسم شارع مونيكا إلى «موغابي»، وتغيير اسم شارع فيكتوريا إلى «نيهاندا»، وتغيير اسم شارع ماكينزي إلى «ماسوتشا اندوفو»، وتغيير اسم شارع السير جيمس ماكدونالد إلى «تانغوينا»، وتغيير اسم شارع كينغز كريسنت إلى «نايريري»، ناهيك طبعا عن تغيير شكل الشعار الوطني وعلم البلاد ونشيده القومي وألوان الناقلة الوطنية الجوية. وهكذ كان عليّ ان أمزق الكتاب الذي دفعت فيه ما يعادل العشرين دولارا امريكيا، وأن أشتري كتابا جديدا من انتاج نظام الرئيس «روبرت موغابي» الذي بمجرد توليه السلطة انصرف إلى أمرين محددين هما تغيير الأسماء على نحو ما أشرنا إليه، وتصفية خصومه السياسيين الذين شاركوه النضال ضد المستعمر. أما المحافظة على أسس الدولة المدنية الحديثة التي وضعها الانجليز، والإضافة إليها فكان آخر ما فكر فيه. ومع اختلاف ظروف بلادنا البحرين التي لم تكن يوما مستعمرة وإنما ارتبطت بمعاهدة حماية مع بريطانيا العظمى، فقد شهدت أيضا تغيير أسماء الشوارع من الاجنبية إلى العربية. لكن هذا حدث قبل وقت طويل من إلغاء معاهدة الحماية في عام 1971. وبعبارة أخرى فإن الأسماء الأجنبية لم تطلق على شوارع العاصمة المنامة إلا لفترة محدودة ما بين عامي 1925و1932. ذلك أن إنشاء البلدية في عام 1919، وتخطيط العاصمة تخطيطا عصريا، وتوسعة شوارعها، ولا سيما في الفترة التي كان فيها البريطاني السير «تشالرز بلغريف» مستشارا لعظمة حاكم البلاد المغفور له الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة، استدعى محو أسماء الشخصيات البريطانية وغيرها من شوارع العاصمة، واستبدالها بأسماء عربية. وقد تناول المؤرخ البحريني الصديق علي أكبر بوشهري هذا الموضوع في مقال نشرته له إحدى الصحف المحلية في عام 2002 فأورد أسماء ستة شوارع تم تغيير أسمائها وهي: 1- شارع ديلي: وهو شارع الزبارة الحالي في الحورة المتقاطع مع شارع القصر القديم، وقد حمل هذا الاسم الاجنبي نسبة إلى الضابط البريطاني «كلايف كيرباتريك ديلي» الذي شغل منصب المعتمد البريطاني في البحرين من عام 1921 وحتى عام 1929، والذي يعد من أشهر من تقلد هذا المنصب في البلاد ليس لأنه كان معروفا برعونته، وتعامله الشرس مع المواطنين، وافتقاده للدبلوماسية في سلوكه فحسب، وإنما أيضا بسبب وقوع حوادث مهمة ومعروفة في عهده مثل حادثة الخلاف بين العجم والنجديين، وحادثة إرغام الحاكم الشيخ عيسى بن علي على التخلي عن الحكم لصالح ولي عهده الشيخ حمد بن عيسى رحمهما الله، وإصدار ديلي لقانون مثير للجدل حول الغوص وتجارة اللؤلؤ. هذا ناهيك عن أنه كان أول مسؤول بريطاني في الخليج يتعرض لمحاولة اغتيال فاشلة، وذلك حينما أطلق عليه احد افراد الشرطة البلوش رصاصة أصابت إذنه. 2- شارع باريت: وهو شارع باب البحرين الذي يبدأ من مبنى باب البحرين ويخترق السوق ويتقاطع مع شارع الشيخ عبدالله ويمر بمآتم «مدن» و»القصاب» و»العجم الكبير» ومسجد الخواجة، إلى أن ينتهي مقابل كنيسة «القلب المقدس». وقد اطلق اسم «باريت» على هذا الشارع الحيوي نسبة إلى المعتمد البريطاني الذي خلف «ديلي» وهو الميجر «سياريل جونسون باريت» الذي وصل البحرين في عام 1926. 3- شارع بارك: وهو شارع قاسم المهزع الحالي الذي يبدأ من عند مبنى وزارة الداخلية أو «القلعة»، وينتهي مع تقاطع شارع الشيخ عبدالله، وكان يخترق أكثر مناطق العاصمة اكتظاظا بالسكان فاصلا ما بين الأحياء الشعبية في «المخارقة» وامتداداتها مثل أحياء «المشبر»، و»لاكي»، والزراريع» و»بوصرّة» و»الجامع» و»العجم». أما تسمية هذا الشارع بـ «بارك» فنسبة إلى الكابتن «إل . إس. بارك» الذي شغل منصب قائد شرطة البحرين ما بين نوفمبر 1929 وأبريل 1932، والذي كان يتبادل منصبه مع المستشار «تشالز بلغريف» وقت سفر أحدهما إلى الخارج في إجازة. والمعروف أنه بعد رحيل «بارك» عن البحرين لم تعين السلطات البريطانية بديلا عنه لأن «بلغريف» تولى قيادة الشرطة بنفسه إلى جانب وظائفه العديدة الأخرى. 4- شارع بلغريف: نسبة إلى السير «تشالرز دالريمبل بلغريف» الذي عين في منصب المستشار المالي لحاكم البحرين من مارس 1926 وحتى مغادرته البحرين نهائيا في أوائل عام 1957. ويعتبر «بلغريف»، كما هو معروف للجميع، من أشهر الشخصيات الأجنبية في تاريخ بلادنا المعاصر وأكثرها إثارة للجدل بسبب المسؤوليات العديدة التي تولاها خلال فترة تواجده في البحرين، ودوره في إصدار القوانين المنظمة لعمل إدارات الدولة المدنية الحديثة في ثلاثينات القرن الماضي. وطبقا للمؤرخ بوشهري فإن هذا الشارع هو «شارع الشيخ عيسى الواقع في شرق المنامة القديمة. ويبدأ من شمال شارع الخليفة ومسجد الفاضل، بالقرب من بيت بلغريف نفسه. وكان يمر بين حي الفاضل بفروعه العديدة، مثل أحياء العلي والشرقي والمقبل وعجم القديمة؛ ومن اليسار يحده حي كانو الحالي بفروعه العديدة، مثل أحياء عبدعلي وبن رجب وسوق الحطب وبشمي والهولة. ويتقاطع بعد ذلك مع شارع الشيخ عبدالله ويمر بالقرب من أول حديقة عامة للحيوانات حينذاك، ألا وهي حديقة الباغشة. ويستمر خلف مدرسة العجم وينتهي مع تقاطع شارع دلي أو الزبارة حاليا». ويضيف بوشهري قائلا: ان شارع بلغريف قد تطور مع ازدياد العمران في المنامة، وتوسع لاحقا حتى وصل حاليا إلى شارع الجفير. 5- شارع بريور: وهو شارع الخليفة الحالي الموازي لشارع الحكومة، والذي يبدأ غربا من خلف سينما اللؤلؤة –القصيبي سابقا– ويمر بالقرب من سوق السمك القديم خلف بناية «سيتي سنتر» مواصلا سيره نحو «باب البحرين» فبناية كانو فمجمع يتيم –غري ماكنزي سابقا– فمبنى المحكمة القديمة ومتحف الغوص الحالي، وينتهي شرقا أمام السفارة البريطانية. وقد أطق اسم «بريور» على الشارع لأنه هو من جاء بفكرته وأصر على تنفيذه في عام 1932. و»بريور» لمن لم يسمع به هو «تشالز جيفري بريور» الذي خلف المعتمد البريطاني «باريت» من إبريل 1929 وحتى نوفمبر 1932، وكان قبل ذلك معاونا ثانيا فمعاونا اول للمقيم البريطاني في بوشهر، وبعد انتهاء عمله في البحرين عين في سبتمبر 1939 في منصب المقيم البريطاني في بوشهر والذي كان من ضمن مهامه الاشراف على الساحل العربي من الخليج أيضا، وظل في هذا المنصب حتى عام 1946 حينما نقلت بريطانيا المقيمية من بوشهر إلى البحرين من بعد إتخاذها للأولى كمقر منذ عام 1763م. 6- شارع التلغراف: وهو الشارع المسمى حاليا بشارع «خلف العصفور» الذي يبدأ من خلف مستشفى الإرسالية الإمريكية ويمر بمحاذاة مقبرة الطائفة الشيعية، ويفصل ما بين «فريج العوضية» و»فريج الذواودة»، وينتهي عند مسجد البلوش المواجه لمدرسة الحورة للبنات عند شارع القصر القديم. وقد سمي بهذا الاسم لأن الإنجليز أسسوا فيه مكتبا للبرقيات والتلغراف.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها