النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

إعادة توجيه الأسئلة نحو الداخل

رابط مختصر
العدد 8913 الأربعاء 4 سبتمبر 2013 الموافق 28 شوال 1434

انتقل الغرب من مرحلة الإسلام-فوبيا التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر وتفجيرات لندن ومدريد إلى مرحلة معاقبة المسلمين عامة والعرب خاصة وإصدار التشريعات التي تميز ضدهم، ومن ثمة إلى اتخاذ إجراءات غبية بلهاء تتمثل في إخضاع العرب خاصة الداخلين إلى بعض البلدان إلى إجراءات أمنية وتفتيشية استثنائية، لأنهم متهمون إلى أن يثبتوا براءتهم. مهاجمة الإسلام ورموزه وتحميله حالة الإرهاب السائدة في العالم، ووصف الإسلام بأنه دين فاشي –واستمرار الإساءة الإعلامية أمر ابتلعه المسلمون بالسم والألم والغضب، ولكن تعريض المسلمين عامة والعرب خاصة- على أساس الجنسية- دون غيرهم من شعوب العالم لإجراءات أمنية مهينة في المطارات الأمريكية والأوروبية أمر لم يعد يحتمل، عندما يضاف إلى هذا السجل الحافل باحتقار العرب والمسلمين والوقوف ضد قضاياهم العادلة وضد حقوقهم المشروعة البرامج التي تنفذها أجهزة إعلام مسعورة لمهاجمة العرب والمسلمين وتصويرهم على أنهم وحوش مسعورة فأمر يفوق الاحتمال، وقد يبرر حالة الإحباط التي تعزز ثقافة الكراهية والريبة. هذه القصة المأساوية من سوء الفهم والكراهية المتبادلة، تعكس حالة من البلاهة في السياسة الأمريكية والأوروبية، من ناحية معروفة وموثقة، ولكنها تدعونا من ناحية ثانية، في ذات الوقت إلى إعادة توجيه الأسئلة إلى داخلنا، مما يدعونا إلى استحضار عدد من الحقائق: - على الصعيد الديني فإن الصراع بين الغرب المسيحي والشرق الاسلامي (دينا وقيما ونمط عيش وتاريخا) لم يحسم، ولم يكن في يوم من الايام محسوما، وان الحرب الكلامية اليومية ما تزال قائمة من الطرفين، فالخطاب الإسلامي العام يميل في أغلبه إلى تكفير الجميع والتمييز ضدهم حتى وان كانوا مواطنين، والخطاب الآخر يميل في مجمله إلى تحقير المسلمين واعتبار الإسلام، قيما ودينا ورموزا، معاديا للتمدن والديمقراطية والمدنية (لأنه دين التوحش) وأن «تأخر» المسلمين هو من صنع المسلمين أنفسهم، وينبع من عقليتهم ومن الدين الذي اختاروه... -على الصعيد السياسي رأينا وسمعنا كيف ان أعلى هرم السلطة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، أو حتى في الدول الأكثر علمانية في أوروبا الغربية كيف يتم الحديث عن صراع ديني وعن حروب صليبية وعن محاور للخير وأخرى للشر، في زمن يقود فيها الغرب معاركه (الخيرة) ضد شعوب آمنة في بلدانها، ويحتلها بقوة الحديد والنار ويغير أنظمتها ويتدخل في إعادة بناء منظومة قيمها ومناهجها وطرق تفكيرها وغذائها، ولذلك فإن أغلب الدعوات عن اللقاء والحوار والتسامح بقيت إلى اليوم دون تأثير يذكر، لأنها بقيت قشرية سطحية. ولكن يظل السؤال الأكثر عمقا وتعقيدا والذي يجب ان يتجه إلى الداخل الإسلامي والعربي في نظرة مصارحة: لماذا نظل نتلقى هذه التهجمات والنقد والانتقاد؟ ولماذا يظل العرب يعطون الانطباع منذ زمن طويل بأنهم عالقون في ماضيهم (المجيد) وعاجزون عن العبور الى الازمنة الراهنة؟ إن المشكلة ليست جدلية إذ أنها تهدد التعايش السلمي بين المسلمين والغرب عامة وبين العرب بوجه خاص والعالم الغربي بوجه اخص. فالغرب بات وعلى نحو واضح يتحدث وبصوت مرتفع (سواء بلغة سياسية أو بلغة دينية أو عسكرية) عن المخاطر التي بات يشكلها العالم العربي والإسلامي بما ينتشر فيه من اتجاهات متطرفة ومعادية للغرب وللعلمانية وللعولمة في ذات الوقت (دون الحديث طبعا عن أسباب هذه الظاهرة ومنها الظلم الغربي والاستعمار والاستغلال والاحتقار والموازين المختلة والمكاييل المزدوجة)، مما يهدد بانعدام التوازن والقابلية للانفجار في كل وقت، بل ومن الخطير ان أوروبا نفسها أصبحت تتحدث عن ضرورة إعادة صياغة إستراتيجيتها العسكرية من اجل اكتساب الوسائل التي تؤمّن لها التدخل في العالم العربي. إن الظاهرة الأصولية- سواء أكانت غربية أو شرقية- ستبقى عائقا أمام بناء ثقافة التسامح، وأمام بناء أفق إنساني حضاري واسع يسمح بالتواصل المثمر ويستبعد الحروب والمتبادلة، بل إن القوى الأصولية تعيق التحديث واكتساب مقومات الحداثة إذا ما ظلت بعيدة عن النقد العلمي والمنهجي المنفتح على آفاق المعرفة العلمية بمناهجها المستحدثة وعلومها الإنسانية المتعددة، ومن هنا لا غرابة أن يلتقي التحليل العميق للأمور في تقاطع- قد يثير حساسية الكثيرين منا- مع دعاوى الإصلاح التي تستهدف أسس البناء الثقافي العربي وترمي إلى إعادة صياغة العقل الأصولي على نحو يجعله مفرغا من عناصر الشحن الإيديولوجي والتعبئة العقائدية الجاهزة للتوظيف السياسي الموجه ضد التسامح والتواصل وبناء الشراكات على أساس المصالح.. وعلى صعيد داخلنا الإسلامي، علينا فتح الحوار العام حول علاقة الدين بالدولة وعلاقة الدين بالحداثة، وعلاقتنا نحن بالآخر ضمن أفق إنساني، حتى يتسنى للمسلمين ان يعيشوا ويستعيدوا دينهم المخطوف من قبل جماعات سياسية تحترف التوظيف الإيديولوجي للإسلام رغبة في احتكاره والنيابة عن الآخرين في النطق باسمه وتحريف مفاهيمه وتصريف قيمه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها