النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

مهمة الكاتب أن يزعج الآخرين: ثقافة التجهيل أو محنة

رابط مختصر
العدد 8911 الأثنين 2 سبتمبر 2013 الموافق 26 شوال 1434

يقول المسرحي الايطالي داري وفو- وهو ممثل ومؤلف الأكثر شهرة في أوروبا المعاصرة والحاصل على جائزة نوبل للآداب: « إن مهمة الكاتب هي ان يزعج الآخرين، وان يوقظهم او أن يقض مضجعهم وألا يدعهم يستريحون، وليس مطلوبا منه أبدا أن يداعبهم أو يمتعهم بما يريحهم».. ويقول المفكر الليبي الصادق النيهوم في كتابه «محنة ثقافة مزورة»: «في بلاد العرب، ومنذ فجر التاريخ كانت الثقافة سلاحاً، مهمته تجهيل الناس أكثر من تثقيفهم، ولهذا السبب سكتت جميع الثقافات العربية عن قضايا الإنسان، وفشلت في تطوير مجتمعات حقيقية محررة من عبادة الأصنام الحية والميتة».. الذي دفعتني الى هذه المقدمة ما نراه اليوم من ظواهر غاية في الإدهاش في فضاء الثقافة العربية التي تحولت في السنوات الأخيرة، وبعد التخلي عن الحلم العربي في النهضة والوحدة والعدالة، وبعد ان تم تمرير مشروع الهزيمة وحملنا على ابتلاعه سياسيا، إلى سوق عكاظ جديد ترتفع فيه السناجق والرايات وأدخنة البخور وتعزف فيه موسيقى الزار وتضرب فيه الدفوف والطبول في إيقاع شبه موحد، يغيب عنه الإنسان العربي وقضاياه الحيوية، إيذانا باختفاء فصيلة الكتاب والمفكرين والفنانين الذين قال عنهم الكاتب والمسرحي الايطالي إن مهمتهم الرئيسية أن يزعجوا الآخرين، وحل محلهم أمثال أولئك الذين وصف النهيوم دورهم بتجهيل الناس لا تثقيفهم.. حيث يكون على المفكر أن يقول كلاماً لا يزعج أحدا، بل ولا يوقظ ضميرا، في ظل حالة من النوم العام الذي يسود الوطن العربي من الماء إلى على الأقل في القضايا القومية المصيرية التي تهم وجود الأمة وحياتها ومستقبلها، فالحديث يدور اليوم عن دور إسرائيل ودور إيران ودور تركيا كقوى إقليمية كبرى تعيد هندسة جغرافية وسياسة المنطقة، وتتصارع جميعها على أن تحكم أو تتقاسم النفوذ عليها، ويبدو أن التطلع العربي قد تقزم إلى الحد الذي أصبح مجرد الحديث عن الأمة العربية يثير نوعا من السخرية. وإذا كان السياسيون، بحكم المصالح الضيقة والصراعات على السلطة قد قبلوا التنازل على الحلم العربي وعلى أن يكون لهم وجود كعرب في الإقليم أو في العالم، واكتفوا بوجود رمزي او فلكلوري عبر جامعة الدول العربية، فهل من المقبول او من الممكن ان يقبل المثقف العربي ذلك، وهل من المقبول ان يقبل المثقف موت الحلم العربي ويتنازل مع المتنازلين ويسخر مع الساخرين ويسقط مع الساقطين؟؟ وللأسف الشديد فإن المفكر الذي يتولى عملية النهوض بالتفكير وإطلاق التعبير لم يعد له مكان في الفضاء الثقافي العربي الحالي ولم يعد يشكل تياراً يعتد به وسط جماهير غارقة في الفقر والبؤس او غارقة إلى أذنيها في الاستهلاك والضياع او في الفكر الطائفي بترهاته وخرافاته المخربة للفكر والروح معا.. سطوات النصوص المغلقة بالفاشية قد يكون عالم النفس «يويج» هو اول من نبه إلى فكرة التناص وان عبر عنها بالشعور الجمعي الذي يسكن الواحد منا.. إذ يشير إلى أن الإنسان تسكنه أصوات سحيقة تترجم نفسها من خلاله، وبالتالي فنحن في الواقع لسنا نحن، وإنما نحن وما بداخلنا من زحام بشري هائل.. إن ما يهمنا هنا هو التساؤل عن بواعث وأسباب هذا الحماس لزعزعة أسس معرفية والانتقاص من مكاسب إبداعية، كانت قد أدت إلى التطوير والتحديث وخلعت أمجاداً على موكب إنسانية.. صحيح أن حروباً داست كرامة أمم وشعوب عديدة. ان انتهاكات ووحشيات عبثت بمقدرات دول وأقوام، لكن المشهد لم يكن دائما دامساً أو دامياً على الدوام وفي كل مكان .. استطاع الإنسان أن ينجز نصه العلمي والتقني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي ويبدع ويبني ويعمر رغم كل سطوات النصوص المغلقة بالفاشية أو النازية أو حتى الديمقراطية العمياء التي لا ترى إلا مصالحها الخاصة فحسب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها