النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 10906 الأحد 17 فبراير 2019 الموافق 12 جمادى الثاني 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:54AM
  • الظهر
    11:52AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

طلاق بائن بين الدين والسياسة في الربيع العربي

رابط مختصر
العدد 8909 السبت 31 أغسطس 2013 الموافق 24 شوال 1434

في عام 2000، ذهب احد الصحفين الى وليام هيج وزير الخارجية البريطاني الحالي عندما كان زعيما لحزب المحافظين، وكان موعد اللقاء في مقر مجلس العموم وسـأله الصحفي عن الشأن الداخلي البريطاني ضمن أسئلة أخرى كثيرة تتعلق بموقف بلاده من قضية السلام في الشرق الاوسط وقضايا أخرى تهم العرب والمنطقة، فرد السياسي البريطاني وتخلى عن هدوئه الانجليزي :»لماذا تهتمون بالشأن البريطاني الداخلي وتفتشون فيه؟».. ولكن لماذا نورد هذه القصة رغم انها قديمة ويبدو منها انها بريطانية الشأن ولا تهمنا في شيء. بيد ان الحقيقة ان الذي رفضه وليام هيج زعيم حزب المحافظين آنذاك من تدخل الصحفي في الشأن الداخلي لبلاده، هو نفسه الذي يقوم به حاليا وليام هيج وزير الخارجية البريطاني ومعه كل زملائه بالاتحاد الأوروبي وشقيقتهم الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية. فكل هؤلاء يسارعون بالتدخل في الشأن الداخلي العربي والشأن المصري خصوصا ويحاولون إثناء الجيش هناك عن عزل الرئيس السابق محمد مرسي الإخواني وإعادته الى كرسيه مرة أخرى. نحن هنا نتحدث عن الازدواجية وهو ما أشار اليه الصحفي وهو يروي حكايته مع رئيس الدبلوماسية البريطانية. اما ما نربطه بقصة الصحفي والوزير وموضوعنا هنا هو حجم التدخل الأوروبي والأمريكي في شؤوننا الداخلية، لدرجة نرى معها ان أمورنا المحلية يكاد يكون الأمريكيون والغرب هم الذين يديرونها نيابة عنا. وما ان سمعنا بالربيع العربي، حتى كاد الغرب والأمريكيون يعيشون معنا ليفكروا بدلا منا وليلغوا عقولنا تماما، بعد هذا الربيع «المشؤوم» والذي جاء نارا وهشيما لبعض بلداننا العربية، فكانت السمة والعلامة الرئيسية المشتركة لهذا الربيع هي التقسيم والفرقة والفتنة.. قد لا اقصد تقسيما جغرافيا حتى وقتنا الراهن، وانما اتحدث عن تقسيم طائفي، ديني، مذهبي، اقتصادي، اجتماعي، سياسي، طبقي، وأتخيل ان المعاني كلها واضحة للجميع، وإن كنا بالطبع لا نلغي فكرة التقسيم الجغرافي في نهاية المطاف، وهو ما يجري في سوريا وليبيا في الوقت الذي تشير فيه تقارير مصرية عن احباط مؤامرات لإعلان دولة في الجنوب المصري المسمى «الصعيد» بدعم أمريكي للإخوان. وربما لا أتمادى كثيرا في تعداد نماذج التفكك التي أعقبت الربيع العربي، فأمامنا ليبيا التي لا ينتهي أي يوم سوى بحدوث مشهد الاقتتال الداخلي بين ثوار وأزلام القذافي، هكذا يسمونهم في ليبيا، فالاشتباكات لا تكون بين اشخاص ولكن بين مجموعات مسلحة باسلحة ثقيلة حتى يصعب على قوات الأمن التدخل لفضها في الحال، ومشاهد أخرى لهجمات ضد معسكرات جيش ومواقع استراتيجية، ثم مشهد قد يراه الشعب الليبي حزينا وهو إعادة تشكيل كتل سياسية أخرى يتركز عملها الاصلي على تشويه صورة (ثورة 17 فبراير) والتشكيك في كيان الدولة الشرعي حاليا وهو المؤتمر الوطني باعتباره الجهة الوحيدة الممثلة للشعب الليبي ولحكومته المنتخبة. وليس ببعيد نزعات تقسيم ليبيا الى دويلات عديدة (برقة، بنغازي، مصراته، طرابلس) بدلا من الدولة المركزية القوية. واعتقد ان البيانات والمنشورات التي كشفتها السلطان الليبية مؤخرا لخير مثال لما نقوله، وكلها طالبت بتقسيم ليبيا الى دويلات واعتماد الفيدرالية. وأمامنا تجربة مريرة كشفت عنها بعض الصحف الاجنبية مؤخرا، وهي تعاون جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا التي تكتسب نفوذا وسط الأزمات هناك، مع بعض الجماعات الإسلامية المتشددة وتتبنى العنف ضد منتقديهم العلمانيين في ليبيا المنقسمة اصلا على أسس سياسية وإقليمية وقبلية.. ونذير الشؤم من هذا التعاون هو ان النفوذ المتنامي للإخوان والجماعات الإسلامية قد يؤدي الى ظهور منطقة للجهاديين قرب الحدود المصرية يعمل فيها إخوان مصر ومتطرفوها أيضا بما يهدد الدولة المركزية في كل من مصر وليبيا معا، وكشوكة ضد استقرار ينشده أي من النظامين في الدولتين. وبخصوص تونس، فحدث ولا حرج، فأحزاب المعارضة تخوض حرب الساعات الأخيرة في جميع الاتجاهات، لمواجهة حكومة حزب النهضة الذي يتزعمه راشد الغنوشي ودشنت من اجل هذا ما اسمته بـ»أسبوع الرحيل» لرحيله هو وحكومته ليس من سدة الحكم وانما من تونس كلها.. فكل قيادات المعارضة الممثلة في جبهة الإنقاذ تقدمت بمبادرة من أربع نقاط أساسية، أولاها حل المجلس التأسيسي (البرلمان) والحكومة وإدانة استمرار حركة النهضة في سياسة الهروب إلى الأمام بإقدامها على تعيينات حزبية في الإعلام والأمن، وعبرت عن تضامنها بسبب تعرضها لحملات تشويه وتحريض تقف وراءها النهضة. وأصرت جبهة الإنقاذ على استمرار اعتصام الرحيل الذي يستمر حتى نهاية شهر أغسطس (اليوم) في العاصمة وبقية المدن التونسية من أجل رحيل الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني. فالمعارضة تنتهج نفس أسلوب جبهة الإنقاذ المصرية وأعلنت عدم التخلي عن حملة «ارحل»، واتهمت حركة النهضة باعتماد المناورة لكسب الوقت والتقليل من وهج المعارضة والتخفيف لسحب بساط المبادرة السياسية من جبهة الإنقاذ، والتي تطالب برحيل الحكومة واستبدالها بحكومة إنقاذ غير متحزبة ترأسها شخصية مستقلة ويلتزم أعضاؤها بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة. ويبدو ان الإخوان يتبنون مواقف واحدة في كافة الدولة التي استولوا على الحكم فيها، فهم يعملون على اشعال العنف والتوتر السياسي ولا يتنازلون عن مواقفهم المتشددة، وكما تبنت الجماعات الإسلامية في مصر مواقف عنيفة وقتل وحرق للآخرين، كان لإسلاميي تونس ايضا مواقف مشابهة عندما قتلوا اثنين من الزعماء اليساريين، في اطار خطتهم للتخلص من الخصوم المعارضين للحكم الإسلامي حتى لا يكون في المشهد سواهم ومعهم حلفاؤهم المتطرفين، في تكرار لنفس المشهد المصري قبل ثورة 30 يونيو وإعلان عزل محمد مرسي في الثالث من يوليو الماضي. وعن الشأن المصري، فلن نزيد فيه كثيرا ويكفي ما سمعنا وشاهدناه وقرأناه عن الضغوط الأمريكية على القيادة المصرية الجديدة، ومنها إعلانها اعتزامها قطع المساعدات الاقتصادية العسكرية وما سبقها من تجميد إرسال طائرات حربية، كما لو كان النظام الإخواني في الحكم هو النظام الديمقراطي التوأم لأمريكا، او كأن الإخوان هم الذين سيجلبون الخير لمصر والمصريين والعالم العربي. ولكن الحقيقة المطلقة تؤكد ان الإخوان يمثلون لأمريكا والغرب اليد الباطشة التي ستعيد إعادة ترسيم حدود المنطقة وفقا لـ»سايكس - بيكو» الجديدة لمصلحة الولايات المتحدة وأوروبا. وإلا لماذا هذا الاصرار (المخزي) من جانب أمريكا وحلفائها لإعادة نظام الإخوان الى حكم مصر، رغم الشواهد المبيتة والواضحة في فشلهم في الحكم والسياسة، وبعد ما انكشفوا أمام شعوبهم والعالم بانهم غير قادرين على حكم دولة ومصر مثالا، وانما فقط مكتب إرشاد ويتخذون منها وكرا لإشعال الفتن. السؤال.. لماذا التهافت الأمريكي – الأوروبي على تكريس نظام الدولة الدينية في المنطقة، رغم ان الشواهد والأدلة تؤكد للجميع فشل مضمون الدولة الدينية في ادارة الدول، فأمامنا النموذج الايراني ومحاولات طهران الحثيثة على تصدير الثورة الإسلامية الى جيرانها وغير جيرانها؟.. لا نريد اجابة من أمريكا، ولكن قد نذكرهم فقط بخطأ الإخوان في مصر وتونس وليبيا، بأنهم اعتقدوا بان الله هو الذي اتى بهم الى الحكم، وان الله سيحميهم اذا فشلوا في قراءة المشهد السياسي والاقتصادي، او اذا تعرضوا لغضب شعبي. لقد اثبت الاسلام السياسي فشله، فكما اخفق في مصر فهو في طريقه للسقوط بتونس، وفي ليبيا، ليتأكد لنا أن الربيع العربي كان صيفا شديد الحرارة، وان الشعوب لم تتحمل توابعه الخطيرة على مستقبلها، فتلك الشعوب لا تزال تتطلع الى اجواء لطيفة تتمتع فيها بنسمات عليلة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها