النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

كي لا تموت القوى السياسية واقفة

رابط مختصر
العدد 8907 الخميس 29 أغسطس 2013 الموافق 22 شوال 1434

«الأشجار تموت واقفـــــة». من العبارات الشائعة التي كثيرا ما نرددها كناية عن وفاة شخص دون أن يدنو أجله منطقيا، لكنه ذهب إلى حتفه بيده تأكيدا على شجاعته رغم إدراكه المسبق أن كل الظروف المحيطة بالمعركة التي يخوضها لا تعمل لصالحه. وقد تحول هذا التعبير إلى أعمال أدبية عالمية وعربية. فهناك المسرحية المعنونة عنوانها «الأشجار تموت واقفة»، من تأليف الكاتب المسرحي الاسباني اليخاندرو كاسونا، وكذلك تلك المسرحية الخليجية التي شارك كل من الفنان القدير عبدالله ملك والفنانة شفيقة يوسف. وإلى جانب الأعمال المسرحية هناك القصيدة الرائعة التي تصنف في فئة «أدب السجون» التي كتبها أبوسيف الإسلام المغربي، واستهلها يامن كنت صديقي… مازلت صلبا كالجدار وعلى كاهلي أثقال الأثقال أمضي في شموخ ككبرياء الجبال قد ارتفعت فوق جراحي ........ إلى أن يقول فيها ذقت رحيق الموت قبل الموت وبعد صخب الكلام حاصرني جدار الصمت في كل مكان بارد كالثلج عاصف كالخريف وألفظ النفس الأخير في سكون قاتم ولكن…. واقفا كأشجار الصنوبر تموت الأشجار واقفة في شموخ وانتظام تموت واقفة وقوف الاحترام تموت الأشجار واقفة ولكن البهائم… تلفظ انفاسها متكومة كالركام هذا المعنى الرومانسي لذلك التعبير، يتحول إلى مفهوم سلبي عندما تقرر أية قوة سياسية أن «تموت وهي واقفة» في عملية شبه انتحارية سببها سوء تقديرها لموازين القوى المحيطة بها، والتي تشكل هي جزءا منها، أو لعجزها عن فهم المستجدات التي طرأت على الساحة السياسة التي تعمل فيها، ومن ثم يقودها ذلك إلى أن تغادر تلك الساحة، وهنا يفقد «الذهاب» مدلوله السياسي، سواء مارست تلك القوى تلك العملية وهي مرفوعة الرأس شامخة، أو مهزومة تجر أذيال نتائج سوء تقديرها او عدم استيعابها. فشكل الذهاب، لا ينفي جوهره وهو الذهاب، ومن ثم الغياب، وبالتالي فقدان الحضور والتأثير، فيتحول الأمر من عامل فاعل في الساحة إلى عمل أدبـي بين دفتي كتاب أو علـــى خشبة مسرح. تحضر هذه العبارة في ذهن كل من يراقب المشهد السياسي في أكثر من بلد عربي، هبت عليه رياح ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي». فقد شهدنا، وعلى امتداد ما يقارب من العامين، ومنذ اندلاع شرارة التحولات التي صاحبت ذلك «الربيع»، إثر اشعال التونسي محمد البوعزيزي النيران في نفسه احتجاجا على الأوضاع المتردية في تونس، صعود وهبوط العديد من القوى السياسية، بعضها غادر الساحة، متوهما انه تركها وهو «واقفا» كالأشجار عندما تموت، لكنه في حقيقة الأمر أرغم على تلك المغادرة، لقراءته الساذجة، سياسيا، للظروف المحيطة بها لحظة دنو ساعة الرحيل. تأسيسا على ذلك، ولكي لا تموت القوة السياسية التي تطمح في إحداث التغيير في الساحة التي تعمل فيها، سواء واقفة مرفوعة الرأس، أو خانعة ذليلة متدلية العنق، هي مطالبة بأن تقوم بشكل دوري منتظم بمجموعة من الممارسات التي يمكن رصد الأهم بينها في النقاط التالية: أول تلك الخطوات، وأكثرها أهمية وتأثيرا، تقوم على المراجعة الدورية المستمرة والمنتظمة لنتائج الصراع السياسي والعوامل الجديدة التي أفرزها ذلك الصراع، وتركت بصماتها على موازين القوى التي رافقت عمليات التحول التي استجدت. ومن الطبيعي ان تدفع القوى المعنية بالصراع أثمانا باهضة تصل إلى درجة «موتها وهي واقفة»، بسبب الأوهام التي تعشش في أذهانها حول موازين قوى سابقة. وما لم تتحول المراجعة الدورية إلى سلوك دائم يتمتع بالموضوعية البعيدة عن المكابرة والاعتداد غير المبرر بالذات، يبقى استمرار تلك القوى في الساحة السياسية، وقدرتها على التأثير، رهن الصدفة وفي يد عوامل خارجية -بمعنى خارج نطاق تلك القوى الذاتي- ليست لتلك القوى سيطرة حقيقية عليها او على اتجاه حركتها. ترافق تلك الخطوة، أخرى لا تقل عنها أهمية، بل تكاد ان تكون التوأم لها، هي المراجعة الدورية الموضوعية أيضا للبرامج السياسية التي تتبناها تلك القوى والشعارات اليومية التي ترافقها. فما يصلح من تلك البرامج في مرحلة معينة، قد يتحول إلى برنامج انتحاري، يقود إلى «موت القوى السياسية المعنية وهي واقفة» في مرحلة أخرى، ليس من الضرورة بمكان أن يكون الفاصل الزمني بينهما طويلا. فمن الطبيعي والمنطقي أن تقود مراجعة البرامج والشعارات على حد سواء، القوى التي تقف وراء تلك البرامج، إلى إعادة النظر فيها، ومن ثم إجراء التغييرات الضرورية اللازمة لها في ضوء المستجدات التي طرأت على الساحة السياسية، والتداعيات التي تبعتها. يعقب ذلك الخطوة المنطقية الثالثة التي تحول دون «موت القوى السياسية وهي واقفة»، وهي نسج التحالفات الصحيحة مع القوى السياسية الأخرى، بما فيها تلك الجديدة التي أفرزتها تلك التطورات، وفق برنامج وطني شامل لا يقصي أحدا، ولا يهمش آخر، ويستمد عناصر قوته وصموده من منهج يؤمن بالتحالفات، ويثق، بصدق، في قدرتها ليس على تحاشي الموت فحسب، وإنما الحياة المتجددة القادرة على التأثير في مجريات الأحداث وترك بصماتها الإيجابية الواضحة عليها. قد يكون موت الشموخ والرأس المرفوع مادة خصبة غنية لأعمال أدبية، لكنه حتما نهاية خاطئة لأية قوة سياسية أخذت على عاتقها مسؤولية قيادة شارعها السياسي من أجل التغيير. لذا فمن أولويات عمل القوى السياسية هي عدم الموت، فما بالك بذلك النوع من الموت الذي لا يختلف عن الانتحار، سوى كونه انتحارا جماعيا، يشحذ قريحة المبدعين، لكنه يفقد أي مبرر على مستوى مسؤولية التغيير التاريخية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها