النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11250 الإثنين 27 يناير 2020 الموافق 2 جمادى الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    5:03AM
  • الظهر
    11:50AM
  • العصر
    2:54PM
  • المغرب
    5:16PM
  • العشاء
    6:46PM

كتاب الايام

منابر التحريض على الكراهية

رابط مختصر
العدد 8906 الاربعاء 28 أغسطس 2013 الموافق 21 شوال 1434

لا شك أن الخطبة المنبرية لها تأثيرها القوي والمباشر في عموم الناس، وقد أصبحت في الآونة الأخيرة-مع الثورة العلمية - ذات تأثير أكبر حينما خرجت من محيطها وجدرانها لتنتقل عبر الأثير إلى الفضاء المفتوح، فتفاعل معهم المصلون بالجوامع والمساجد ومرتادو دور العبادة، وزاد من وتيرة الحماس معها حينما اختلطت بالشأن السياسي، وأصبح الناس لا يميزون في خطبة الجمعة بين الفتاوى الدينية والآراء السياسية، فالكثير من الخطباء حينما يعتلي المنبر يعلن عن مواقفه السياسية في بعض القضايا حسب انتمائه الحزبي أو الطائفي أو الفئوي، فيحسبها المتلقي أوامر إلهية أو تكاليف شرعية، لذا يتفاعل معها وينطلق على إثرها لتنفيذها وممارسة ما بين سطورها، وهذه هي الطامة الكبرى حينما يتم شحن الفرد للخروج على النظام والقانون! المؤسف أن بعض الخطب المنبرية - كما تنشرها بعض الصحف المحلية - تخرج عن المألوف، فتعكس ثقافة غريبة عن المجتمع، ثقافة لا تحترم الآخر المختلف، ولا تلتزم بالنظام والقانون، وتخرج على القيم والمبادئ التي تعارف عليها أبناء الوطن الواحد، وأبشعها تلك التي تختلط بثقافة التحريض على الكراهية، فتسود المجتمع حالة من التوتر والتشنج والمزاجية المفرطة، ويصبح الناس أعداء بعضهم البعض، مع أن نبي هذه الأمة قد قال: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال)، والمتأمل في واقعنا اليوم يجد أن الكثير من الناس قد أعلنوا الهجران الأبدي والطلاق البائن لأقرب الناس إليهم. التحريض على الكراهية لا شك أنها ثقافة بليدة، قائمة على الانطوائية والانعزالية، وسببها الحساسية المفرطة من الآخرين التي تم تأصيلها عبر بعض الخطب المنبرية، وقد كانت تلك الخطب سبباً في نشوب الحروب والصراعات، ولمن شاء فليعد إلى معركة داحس والغبراء حينما تحول سباق الخيل بين أبناء العمومة إلى حرب ضروس دامت أربعين عاماً، عجز العقلاء عن وأدها في مهدها، وحرب البسوس الطاحنة التي نشبت بسبب سهم طائش أصاب ضرع ناقة جرباء، وغيرها من الحروب ما قامت إلى حينما تم التحريض على كراهية الآخر، واليوم المنطقة العربية تعاني من أبشع المخططات القائمة على ثقافة التحريض على الكراهية والمغلفة بلباس الربيع العربي!! يغفل ويتغافل الكثير من أبناء المنطقة عن خطبة الوداع التي وقف فيها النبي بمسجد الخيف قائلا: (أيها الناس اسمعوا مني ما أبين لكم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا، أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، فلا ترجعن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: فليبلغ الشاهد الغائب). فما تتعرض له المنطقة اليوم(الربيع العربي) قائمة على هذه الثقافة التدميرية، وهي ثقافة تصدى لها الصحابة وآل بيت النبي، ومن أبرز من تصدى لتلك الثقافة (التحريض على الكراهية) هو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حينما وقف للخوارج الذين رفعوا شعار(يسقط النظام) قائلا لهم: (إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العذر وقلتم مكان سبكم إياهم اللهم احقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم). المتأمل في واقعنا اليوم يرى بأن بعض المنابر الدينية تتعامل مع بعض القضايا السياسية بالأدلة القطعية، وهذا فيه إشكال كبير، فالجميع يعلم بأن السياسة متحركة متغيرة، والمسائل الدينية قائمة على الثابت الأصيل، لذا يتعاطى بعض الخطباء مع المسائل السياسية بالأسلوب التعبوي مذهبياً وطائفياً، خاصة في مجتمعاتنا القائمة على التنوع العقدي والمذهبي والطائفي، ويتم خلط الأوراق فيها، والزج بأفواج من الناس ممن لا علاقة له بتلك المسائل! من هنا فإن من المسؤولية في عصر الفتن والمحن، وعصر التناحر المذهبي أن يكف الخطيب عن إشعال نار الصراع بين أبناء الوطن الواحد، وعدم إشغال نفسه إلا بقال الله وقال رسول الله، وهذه نصيحة العلماء الربانيين!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا