النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

جائزة أحسن كتاب وأفضل فيلم وأسوأ مسلسل

رابط مختصر
العدد 8901 الجمعة 23 أغسطس 2013 الموافق 16 شوال 1434

في استفتاء أجرته أكثر من صحيفة، وأكثر من موقع الكتروني بين مشاهدي التليفزيون حول تقييمهم لما شاهدوه من مسلسلات شهر رمضان، احتل مسلسل «الزوجة الثانية» لقب أسوأ مسلسل لهذا العام، وهي نتيجة تثير الدهشة لأن هذا المسلسل كان من أكثر المسلسلات التي تعاقدت القنوات التليفزيونية على عرضها، تقديرا منها أنه سيلقى نسبة مشاهدة كثيفة بسبب موضوعه، الذي يدور حول الصراع بين زوجتين على رجل واحد، وهو من الموضوعات التي اجتذبت إعدادا هائلة من المشاهدين في مواسم سابقة كان من أبرزها «عائلة الحاج متولي» و«زهرة وأزواجها الخمسة» فضلا عن أفلام سينمائية كثيرة مثل «الزوجة الرابعة» و«جوز الأربعة» و«الزوجة السابعة» و«الزوجة رقم 13». لكن الرياح أتت بما لا يشتهي صناع الدراما التليفزيونية وفشل مسلسل «الزوجة الثانية» فشلا ذريعا لأسباب قد يكون من بينها أنهم لم يتنبهوا إلى التغير الذي حدث في مزاج الجمهور نتيجة للظروف الاجتماعية والسياسية التي تمر بها مصر وغيرها من البلاد العربية، والتي جعلت المشاهدين ينصرفون إلى المسلسلات التي اقتربت من هذه الظروف بشكل مباشر أو غير مباشر ولم يعد المحور الدرامي الذي يدور حول تعدد الزوجات أو تعدد الزيجات يثير اهتمام المتفرجين كما كان الحال قبل أعوام قليلة، ولكن أهمها أن المسلسل الذي اعتمد على قصة قصيرة كتبها المؤرخ والكاتب الراحل «رشدي صالح» ونشرت عام 1955 في مجموعته القصصية الوحيدة التي صدرت بالاسم نفسه، سبق أن قدمت عام 1967، في فيلم سينمائي يعد من الأعمال الكلاسيكية التي ترد في مركز متقدم في كل قوائم أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية التي يعدها نقاد ومؤرخو السينما.. وهو فيلم لايزال حيا في ذاكرة المشاهدين الذين يكادون يحفظون كل مشهد من مشاهده، وكل جملة حوار نطق بها أبطاله، بفضل القنوات التليفزيونية المتخصصة في عرض الأفلام السينمائية القديمة التي لا تكف عن تكرار عرضه. وهكذا كان طبيعيا أن يقارن المشاهد بين فيلم «الزوجة الثانية» الذي قام ببطولته الرباعي «سعاد حسني» و«شكري سرحان» و«صلاح منصور» و«سناء جميل» وأخرجه صلاح أبوسيف، وبين مسلسل «الزوجة الثانية» الذي قام ببطولته «آيتن عامر» و«عمرو واكد» و«عمرو عبدالجليل» و«علا غانم» وأخرجه «خيري بشارة» وأن تقوده هذه المقارنة إلى حالة من الإحباط تفقده الاستمتاع بمشاهدة المسلسل، بل قد تدعوه للانصراف عنه حتى لا يفقد متعة المشاهدة التي حققها له الفيلم، فعلى الرغم من أن الاثنين يستندان إلى قصة واحدة، والشخصيات الرئيسية فيهما قد احتفظت بأسمائها كما جاءت في هذه القصة ومع أن المخرجين اللذين قاما بإخراجهما وإن كانا ينتميان إلى جيلين مختلفين، إلا أنهما ينتميان إلى مدرسة واحدة في الإخراج الدرامي ومع ذلك فإن المقارنة بين العملين احتفظت للفيلم بمكانته مع أنه الأقدم، وهبطت بمستوى المسلسل إلى درجة تسيء إلى مخرجه «خيري بشارة» ولا تتناسب مع قيمة ما قدمه من أعمال فنية متميزة وذات نكهة خاصة كان من بينها أفلام «آيس كريم في جليم» و«يوم حلو ويوم مر» و«أمريكا شيكا بيكا» فضلا عن مشاركته في إخراج النصف الثاني من حلقات مسلسل تليفزيوني متميز عرض في الموسم نفسه، واحتل مكانة متقدمة بين مسلسلات هذا العام هو «حكاية بنت اسمها ذات» المأخوذ عن رواية الروائي الكبير «صنع الله إبراهيم». وربما يكون من بين الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تدهور مكانة المسلسل ليحصل على لقب أسوأ مسلسل في الوقت الذي احتل فيه الفيلم السينمائي المأخوذ عن القصة نفسها مكانة متقدمة في كل قوائم أفضل مائة فيلم، أن صناع المسلسل اختاروا القصة وعالجوها تليفزيونيا على أسس تجارية محضة، في حين ان صناع الفيلم عالجوها كما كتبها صاحبها على أسس اجتماعية تعكس قدرة الإنسان الضعيف المقهور على أن يقاوم القوى العاتية التي تحاول أن تستذله، وأن ينتصر عليها بذكائه ومكره.. فضلا عن أن مخرج الفيلم «صلاح أبوسيف» -على عكس مخرج المسلسل- وفق في اختيار الممثلين الذين أدوا الأدوار الرئيسية، على نحو أصبحت معه أدوارهم فيه، علامات في تاريخهم وأصبح من العسير على المشاهد أن يتصور أن يتجسد أبطال القصة في ممثلين غيرهم. ما أحزنني في هذه النتيجة، هو أن صناع المسلسل الذين حصلوا على جائزة أسوأ مسلسل في موسم رمضان من هذا العام، لم يسيئوا إلى أنفسهم فقط، ولكنهم أساؤوا -كذلك- إلى صاحب القصة الكاتب والمؤرخ والصحفي الراحل «أحمد رشدي صالح» وهو أحد الرواد الأوائل في أكثر من مجال، إذ عمل بالإذاعة مذيعا ومقدما للبرامج الثقافية فور تخرجه في قسم اللغة الإنجليزية بكلية آداب القاهرة، في أربعينات القرن الماضي ثم ما لبث أن استقال منها، وباع قطعة أرض كان يملكها ليصدر مجلة أدبية ثقافية سياسية -هي «مجلة الفجر الجديد» التي كانت من طلائع المجلات الثقافية التي حفرت مجرى جديدا لتيار الواقعية الاشتراكية في الأدب والثقافة والفكر والاجتماعي، وكان من أوائل الذين وضعوا أسس تناول التاريخ المصري بالمنهج الاشتراكي عندما أصدر كتابه المهم «كرومر في مصر» فضلا عن أنه صاحب ثلاثة كتب مهمة، أسست لدراسات علم «الفلكلور» في الأدب العربي هي «الأدب الشعبي» و«فنون الأدب الشعبي» بجزءيه. وكانت مسودات هذا الكتاب هي التي قادته إلى السجن ليمضي فيه ثلاث سنوات. ويقول د. جمال العطيفي، وهو وكيل النائب العام الذي كان يحقق معه في قضية صحفية تتعلق بسلسلة مقالات نشرها على صفحات «الفجر الجديد» أنه عثر على مسودة من بعض فصول الكتاب أثناء تفتيشه لمنزل «أحمد رشدي صالح» ولم يكن فيها ما يشكل جريمة، ولكنه وجد فيها دليلا على أن هناك صلة تنظيمية بين صاحبها وبين بقية المتهمين في القضية، الذين كانوا يحاكمون بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي، إذ أسفر تفتيشه لبيوت بعضهم عن وجود فصول أخرى من مسودة الكتاب لديهم، يبدو أنه كان قد أعطاها لهم ليستطلع آراءهم فيها.. واستند «العطيفي» إلى هذا الدليل ليثبت صلة «رشدي صالح» بالتنظيم، ويستصدر الحكم بإدانته وحبسه. وبعد ذلك بسنوات طبع الكتاب وأثار عاصفة من الإعجاب، وأشاد به النقاد، ومنحته الجامعة جائزة أفضل كتاب.. ودخل في قائمة الكتب الرائدة في مجاله، وبعدها بسنوات تحولت قصته «الزوجة الثانية» إلى فيلم حصل على مكانة متقدمة في قائمة أفضل أفلام السينما.. ثم جاء الزمن الذي يحصل فيه المسلسل الذي -أخذ عن القصة- على جائزة اسوأ مسلسل ولكنها -كما يقول جمال العطيفي- الحياة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها