النسخة الورقية
العدد 11154 الأربعاء 23 أكتوبر 2019 الموافق 23 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:21AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:37PM
  • المغرب
    5:03PM
  • العشاء
    6:33PM

كتاب الايام

العهر السياسي العربي

رابط مختصر
العدد 8900 الخميس 22 أغسطس 2013 الموافق 15 شوال 1434

لو حاول مراقب محايد أن يشخص السلوك السياسي العربي في هذه اللحظة التاريخية من واقع البلاد العربية المعاصر في تعبير مختزل، فلن يجد أفضل من كلمتي «العهر السياسي». ولو حاول ذلك المراقب أن يبحث عن الموضوعات التي تناولت الموضوع تحت المسمى ذاته من خلال محرك البحث «غوغل»، فسيجد أن عددها يبلغ613,000 مادة. ومن ثم فهناك، إذا اسقطنا منها ما يمكن ان يكون مكررا، ما لا يقل عن نصف مليون موضوع تناقش «العهر السياسي العربي». وإن كان ذلك يدل على شيء، فإنما يدل على أن هناك حالة من «العهر السياسي» تسود المنطقة العربية تتموضع في أكثر من مكان، وتبرز في أكثر من حالة معينة بذاتها. وقبل السياسة فإن العهر في اللغة، تشير إلى مفهوم «لا يدُلّ على خير، وهي الفجور». قال الخليل وغيره: «العَهرُ: الفجور. والعاهر: الفاجر. يقال عَهِر وعَهَر عهرا وعهورا، إذا كان إتيانه إياها «لَيلاً». وفي الحديث: «الولد للفراش وللعاهر الحَجَرُ»، لاحظَ له في النَّسَب. وقيل: لا تلجئنْ سِرّاً إلى خائن يوماً ولا تَدْنُ إلى العاهِرِ». ويربط صاحب «القاموس المحيط» بين «العهر «والبغي»، بمعنى الظلم، والكذب، فيقول «وبَغَى عليه يَبْغِي بَغْياً: عَلاَ، وظَلَمَ، وعَدَلَ عن الحَقِّ، واسْتَطَالَ، وكذَبَ»، ويضيف إليها، «وفِئَةٌ باغِيَةٌ: خارِجَةٌ عن طاعَةِ الإِمامِ العادِلِ». إذا باختصار يعني العهر السياسي الخروج عن المألوف، ومناقضة السلوك الصحيح السوي، سواء على المستوى الأخلاقي، أو على الصعيد السياسي، وهذا ما نشهده اليوم على الساحة العربية. ولنكتفي بمواقف جامعة الدول العربية، بوصف كونها المؤسسة التي تمثل المنظومة السياسية العربية، والتي يفترض أن تتوفر فيها الحدود الدنيا المشتركة التي تم التوافق عليها عربيا، كي نجدها اليوم صامتة صمت القبور، في مرحلة تتطلب منها أن ترفع صوتها عاليا أزاء قضايا عربية مصيرية ربما لن يجدي فيها موقف عربي متأخر. لن يطالب المواطن العربي الجامعة العربية أن تتجاوز ما يسمح به نظامها الأساسي، بل سيكون أكثر مرونة من ذلك، ويناشدها ان تبادر باتخاذ موقف تاريخي بما يسمح به الاجماع العربي الحالي من قضايا مصيرية مثل تلك التي تلم بالساحة العراقية، وأخرى تشهدها الساحة الفلسطينية. فكلتا الساحتين تتعرضان اليوم، بشكل علني سافر أو مبطن مبهم، لهجوم مدروس، يسعى بشكل واع لتغيير لمعالم واقعهما السياسي ما لم تهب الجامعة لوضع حد له، او وهذا هو الحد الأدنى، التحذير من مخاطره الراهنة او القادمة. فعلى المستوى الفلسطيني يغتنم العدو الصهيوني فرصة انشغال دول عربية كبرى مثل مصر بأوضاعها الداخلية التي باتت تمزق نسيجها الاجتماعي وتشل عضلاتها السياسية، وأخرى مثل السعودية التي تنهكها الأوضاع اللبنانية سوية مع الأوضاع الخليجية، كي تقوم، أي إسرائيل، بإعادة ترتيب الأوضاع في كل من سيناء أولا وبعض مناطق 48 من الأراضي العربية المحتلة، بما يؤمن أوضاعها الأمنية بعدان تنقشع غيوم الأوضاع العربية الراهنة السوداء. تستثمر تل أبيب هذا العهر السياسي العربي القائم على اللامبالاة، والسلوك غير المسؤول المنافي للقيم السياسية المتعارف عليها التي تفترض في أية منظومة إقليمية مثل جامعة الدول العربية أن تمارس مسؤوليتها تجاه القضايا المصيرية التي تهدد الدول التي تنضوي تحت لوائها، كي تضع، أي إسرائيل، على أرض الواقع الفلسطيني حقائق مزورة يصعب نسفها عندما تستفيق جامعة الدول العربية من سبات عهرها السياسي التي تصر على ممارسته، وفي وضح النهار. الامر ذاته يتكرر، في صورة مختلفة، ولكن على نحو أسوأ في العراق، حيث تصمت جامعة الدول العربية في عهر غير مسبوق على ما يجري على الأرض العراقية من مشروعات إيرانية، ترافقها أخرى تركية بشكل مستقل، من أجل الإمعان في إضعاف العراق كي يفقد مقوماته كقوة إقليمية شرق أوسطية، مما يبيح للاثنتين: إيران وتركيا تعزيز نفوذهما، عبر قوى محلية فقدت أدنى قيم التزامها الوطني، فلم تتردد في بيع العراق مقابل مكاسب آنية رخيصة، ناسية، أو متناسية عن عمد، أن نتائج هذا السلوك السياسي ستكون وخيمة على العراق ليس في واقعه القائم اليوم، فحسب، وإنما أيضا، في مستقبله القادم. ومهما كانت الأسباب والمبررات، فليس هناك ما يبيح ما تقوم به بعض المجموعات السياسية النشطة في العراق التي تقود العراق نحو الارتهان إلى قوى أجنبية سيكون من الصعوبة بمكان فك أسره منها مستقبلا. فالمطامع الإيرانية، سوية مع الأطماع التركية، تريدان، كل من زاويته الخاصة، أن تتردى الأوضاع في العراق، كي يرتهن العراق لكلتيهما على المستويين السياسي والاقتصادي. لا يطالب المواطن العربي من الجامعة ما يمكن ان يتجاوز مواثيقها التي تطالبها بالتدخل، ولوفي الحدود الدنيا لمثل ذلك التدخل، الذي يخرجها من هذا الصمت غير المبررمن قضايا عربية مصيرية كتلك التي تتعرض لها الساحتين العربيتين: فلسطين والعراق. هذا لا يعني هامشية الساحات الأخرى، لكن تحاشيا لمطالبة الجامعة العربية بما يمكن ان يشكل لها إحراجا سياسيا، أو بما يضعها في مواجهة سياسية غير مبررة مع هذه العاصمة العربية أو تلك، يدعوها المواطن العربي أن تبادر بما يسمح لها نظامها الأساسي، وفي حدوده الدنيا أيضا كي تخرج من عهرها السياسي، وتتصرف كمؤسسة مسؤولة وضع العرب ثقتهم فيها. ومتى ما تقاعست الجامعة العربي، فهي لن تفقد مبرر وجودها فحسب، بل تكون قد ارتكبت جرما لن يسامحها التاريخ مهما كانت الأسباب التي سوف تسوقها كي تبرر هذا الموقف المتخاذل الذي لا يمكن وصفه بعبارات أخرى سوى أنه نوع من أنواع العهر السياسي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها