النسخة الورقية
العدد 11055 الثلاثاء 16 يوليو 2019 الموافق 13 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

في انتظار محصلة الحدث المصري

رابط مختصر
العدد 8896 الأحد 18 أغسطس 2013 الموافق 11 شوال 1434

أكثر من سواها من الدول العربية الأخرى، تحتل مصر مكانة مميزة، بل ومؤثرة، على رقعة شطرنج مسار التحولات العربية في العصر الحديث. يكفي التوقف عند الثورة الناصرية في الخمسينات من القرن الماضي، كي نكتشف عمق انعكاسات تلك التأثيرات التي تنقلها التغييرات الجوهرية التي يعرفها المجتمع المصري على المجتمعات العربية الأخرى. بطبيعة الحال يتباين مدى تلك التأثيرات، وتتفاوت في مساراتها متناسبة وفق معادلة تاريخية دقيقة مع استعداد أي من المجتمعات العربية المعنية للتفاعل الإيجابي أو السلبي مع الحدث المصري. وتقف وراء هذا الثقل التاريخي المصري (ليس بالمعيار الزمني، فحسب، بل بمقياس العمق والاستمرارية) مجموعة من العوامل، لعل الأبرز بينها: 1. موقع مصر الجغرافي الاستراتيجي، حيث تشكل مصر بؤرة التقاء ثلاث حضارات إنسانية توحيدية هي اليهودية والمسيحية، إلى جانب الإسلامية، مما أدى إلى تشكل مجتمع ديناميكي مشع يتفاعل بحيوية مع الامتداد الجغرافي العربي على نحو ريادي مصدره ذلك الاحتكاك المبكر مع تلك الحضارات بعد صهرها في بوتقة مصرية سياسية /اجتماعية، وفي حلات معينة اقتصادية واحدة. 2. احتكاك مصر الحديثة المبكر مع التيارات الفكرية المعاصرة القادمة من الغرب، التي عزز منه شق قناة السويس واستخدام الغرب لها كقناة، ليس لتلبية احتياجاته التجارية والاستعمارية فحسب، بل أيضا للتفاعل، بما يخدم المصالح الأوروبية التوسعية، مع الشعب المصري، نظرا لمرور تلك القناة عبر أراضيه. أنعش فتح القناة واستخدامها، حركة الاستشراق الغربية التي تركت بصماتها على حركة الانتاج الفكري المصرية، التي بدورها مارست دورها التأثيري على المجتمعات العربية التي مستها، حتى في حدودها الدنيا. 3. الحجم السكاني الكبير نسبيا مقارنة بشقيقاتها من الدول العربية الأخرى، الأمر الذي يؤمن لها ثقلا سياسيا أيضا، يمكنها من ممارسة ذلك التأثير الذي نتحدث عنه من موقع متقدم نسبيا، أهلها لأن تعزز من التأثير الذي نتحدث عنه، خاصة عندما يصاحب ذلك الثقل السكاني، نهضة تعليمية، يرافقها انتعاش اقتصادي لم يحد منه سوى الفترة التي أعقبت هزيمة حزيران 1967، والحقبة النفطية، التي بدأت مع ثورة أسعار النفط الأولى في مطلع السبعينات من القرن العشرين، والتي نقلت مركز الثقل الاقتصادي العربي الاستهلاكي إلى منطقة الخليج النفطية. هذه العوامل تمارس دورها اليوم في شد انتباه المتابع السياسي لتداعيات ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي» نحو مصر أكثر من سواها من الدول العربية الأخرى، بما فيها سوريا التي طال أمد حربها، وما تزال نهايات تلك الحرب غير واضحة المعالم، محاولا من خلال استقرائه لاحتمالات تطور مساراتها، رسم معالم المستقبل المنظور الذي يتربص بالمنطقة العربية. لقد انقسمت أراء أولئك المتابعين للتحول النوعي في مسارات الحدث المصري الذي جسده التدخل المباشر من القوات المسلحة المصرية، بعزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، وتعيين رئيس وزراء جديد هو حازم الببلاوي ووصل الأمر إلى التدخل مرة أخرى من أجل إخلاء التجمعات الإخوانية المؤيدة للرئيس المعزول مرسي في «رابعة العدوية» و»النهضة»، ومناطق أخرى متفرقة في ربوع مصر إلى ثلاث فئات رئيسة هي: 1. الفئة الأولى شجبت بشكل مطلق ما قام به الجيش، واعتبرته انقلابا عسكريا مناقضا للدستور والحياة المدنية المصرية، التي أوصلت، حسب رأي هذا الفريق، مرسي إلى كرسي الرئاسة عبر صندوق اقتراع جرت انتخاباته في أجواء ديمقراطية غير مسبوقة في مصر. اعتبر هذا الفريق، كل ما جاء بعد ذلك إجراءات باطلة لأنها مبنية على أساس باطل، ومن ثم رفضت الاعتراف بها، وواصلت دعوتها لاستعادة الشرعية بعودة مرسي إلى الحكم. 2. الفئة الثانية سارعت إلى إشهار تأييدها المطلق، الذي لا تشوبه أدنى نظرة شك، إلى ما قام به الجيش المصري، على أساس أنه لم يقدم على أي إجراء، بما في ذلك عملية العزل، قبل أن يقول الشعب كلمته من خلال الجموع المليونية التي خرجت تطالب الجيش بالتدخل كي يضع حدا لتجاوزات ما وصفته بتجاوزات مرسي غير الدستورية والمناقضة، حسب ما يراه هذا الفريق، لكل ادعاءات مرسي القائلة بسعيه لنقل مصر، سلميا نحو المجتمع المدني الموعود. اعتبر هذا الفريق خطوة القوات المسلحة اجراء صحيحا يستدعي التأييد ويستحق المساندة، بل والتصدي لكل من يحاول اجهاضه، او حتى الوقوف عثرة في وجه تقدمه. 3. الفئة الثالثة، وهي تلك التي حاولت ان ترى الأمور من زاوية تحليلية منطقية بعيدة كل البعد عن ردود الفعل الانفعالية سلبا بالشجب المطلق، أو التأييد اللامحدود. هذه الفئة تضع ما جرى في مصر من نجاح مرسي حتى عزلة في الخانة الرمادية، على أساس أنها مرحلة تحولات لابد وأن يمر بها المجتمع المصري، قبل ان تستقر الأمور فيه، كي تأخذ شكلها النهائي، الذي تفرضه موازين القوى الاجتماعية / السياسية الفاعلة في تحديد مسارات ذلك المجتمع، ومن ثم فمن السابق لأوانه، التكهن في هذه المرحلة، بأكثر من السمات العامة الرئيسة لما يمكن أن ترسي عليه الأمور في الفترة القصيرة القادمة. لكن بعيدا عن أي من المسارات الثلاثة التي سيسلكها المجتمع المصري، تبقى المجتمعات العربية تنظر بعين المراقب المتوجس من مستقبلها الذي لا يستطيع أحد أن ينكر أنه سوف يتأثر بمآلات الحدث المصري، سواء في حال تمكن الجيش وسيطرته على الأمور، أو باستعادة أنصار مرسي زمام الأمور مرة أخرى، إذ من الخطأ القاتل القول باندحار جبهة «جماعة الإخوان» بشكل مطلق، أو، وهذا احتمال لا ينبغي اسقاطه من الحسابات، بروز قوة ثالثة، تتقدم الصفوف وتسيطر على زمام الأمور. محصلة الحدث المصري، سوف تترك آثارها العميقة على مسارات أحداث أخرى في بلاد عربية ينبغي ان تستعد لاستقبال انعكاسات تلك الآثار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها