النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

عندما يغيب الوطن.. من خارج منطق المواجهة

رابط مختصر
العدد 8892 الأربعاء 14 أغسطس 2013 الموافق 7 شوال 1434

وحدها النظرة التاريخية في بعدها الإنساني، لا في نسخها الأكثر عزلة، يمكنها ان تعيد الاعتبار لعالم التضامن والتآخي والتعاون بين الشعوب، بين بني البشر في لحظة تجردهم من الغرائز الاقتتالية والاستحواذية المتعالية، ومن النزعات الطوائفية الغارقة في بؤس الأطماع، ومن العقائد الدغمائية المغلقة المغلفة بالقداسات المرجعية المجردة من النسبي والإنساني، وحدها النظرة الإنسانية المنفتحة على أفق الوجود الخلاق الحر يمكنها أن توصل الفكر الإسلامي والمسلمين إلى مواجهة تحديات الحداثة والعصر باستثمار العلاقات الكونية الجديدة والمتاحة أمامهم اليوم لتحقيق النهضة المتعثرة لأكثر من قرنين، والقبول بالإنجازات التحررية الحداثية بعيداً عن الاستمرار في تضخيم المخيال المتعلق بالاحتماء بالذاكرة بديلا عن الواقع الجديد، وبالعزلة والانكفاء على الذات، واعتبار الإسلام أيديولوجية قتال دائمة ضد الأعداء (التاريخيين والدينيين) على نمط ثقافة بن لادن والظواهري أو على نمط ثقافة المبشرين بولاية الفقيه الدولية الغارقة في خرافات الميتافيزيقا المفارقة للتاريخ، مستجلبين ذاكرة الحروب و»الشهادة» لمواجهة شركائهم في الوطن أو في الإنسانية بالويل والثبور.. وحدها النزعات الطائفية الغرائزية التي يستجلبها لنا الأمريكان والإيرانيون من تحت رماد الأرض يجب أن تمر الآن وفورا، لا مجال، والحالة هذه، لأية حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات محايدة شكلا تلفلف بها جوهرها الرجعي، كأن يطلق الطائفيون على أنفسهم كل أربعة أيام اسما ومسمى جديدا مشتقا من ( الوطنية والديمقراطية!! فأي بلاء هذا البلاء!!) أو كأن يسمى هؤلاء أنفسهم إسلاميين محبين للخير والإنسانية!!، أو أن يدعو تنويري تقدمي مزيف إلى سيادة (العدالة والحق والإخاء) وإلى إزالة التمييز الطائفي، في الوقت الذي يرفض فيه البديل الديمقراطي العلماني في نفس الوقت، وفي الوقت الذي يرفض فيه إن هذه الدعوة على الرغم مما تتستر به من شعارات «ضد طائفية» تكرس واقع الطائفية. إنها تريد في الحقيقة، استبدال هيمنة طائفة، بهيمنة طائفة أخرى، وهكذا يستمر تاريخ الوطن في الدوران في حلقة مكررة من الخراب والدمار والغبن الشامل. كيف يغيب الوطن، وفقاً لهذه القراءة ؟ إن المقصود ليس الغياب الجغرافي بل التاريخي-الحضاري- وهذا ما يحدث مثلاً، حين تجتاح قوة غازية فتية وطناً فتحتله وتلغي حضوره، لفترة قد تطول وقد تقصر، وقد تنهي باحتواء المغزو للغازي أو العكس. ويحدث الأمر ذاته حين تتمكن عصابة من الناس من السيطرة على المؤسسات القمعية ومصادر الثروة في دولة ما فتلتغي- حكماً- سيادة الوطن لصالح سيادة العصابة، وغالباً ما لا تعمر سيادات كهذا المثال طويلاً إلا في النادر ومنه الحالة موضوع دراستنا. وثمة شكل آخر من أشكال غياب وسرقة السيادة ، وهي الأكثر خطورة وحضوراً في راهننا السياسي. يحدث ذلك حين تستثمر قوة سياسية طائفية منظمة ومسلحة وممولة جيداً وضع تاريخي، شاذ ومعقد يمر به بلد ما، وتنجح، الطائفة اسماً، ومُدعو تمثيلها واقعاً، في إحلال نفسها محل الوطن فتلغيه بما فيه وغالباً ما تتحالف قوى كهذه مع عدو خارجي تاريخي أو محتمل لتحقيق هيمنتها، ومن ثم تدخل في صراع شامل وإبادي مع جميع المكونات التاريخية للوطن، حرثاً ونسلاً ومؤسسات، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. لان هذه المنظومة إذا تم تشغيلها تفضي حتما إلى استحضار الحروب الطاحنة وبناء العداوات بلا نهاية، والدخول بالتالي في دوامة بلا نهاية من الاقتتال المعنوي والمادي والتي يغذيها على نطاق آخر سياسة الهيمنة والعدوان والانتهاك المنهجية الممارسة في السياسة الغربية تجاه العرب والمسلمين، وما تولده هذه السياسة الغاشمة بالضرورة من إحساس متزايد بالضعف والإهانة والتخلف والإحباط ، وما تفرزه من رد فعل يتراوح بين الانعزال والهروب إلى الخلف وبين العنف الذي لا يبقي ولا يذر!! هذه المعادلة بالرغم من بدا هتها ووضوحها لا تتم قراءتها على هذا النحو من قبل الغرب ، أو من قبل غلاة الإسلاميين، فالأول يفسر تصاعد أحداث العنف، بما في ذلك أحداث 11 سبتمبر، بأنها نتيجة طبيعية للعوامل الداخلية الخاصة بالإسلام وبطبيعة الأنظمة العربية، والطرف الثاني يرى في الأحداث ذاتها جولة جديدة من منازلات الحق ضد الباطل . لقد كان من الأفضل القول إن هذه المنازعات تستند في مجملها إلى سوء الفهم والجهل المزروع في التقاليد التاريخية و القيم التي يتم استدعاؤها لإحياء شرعيات عفا عنها الزمن، وتصور التاريخ كمجرد استحضار للثارات القديمة، كما ان هذه الحالة من والإقصاء المتبادل وفقد التسامح لا تتيحان الفرصة للأصوات القادرة على فتح الطريق أمام آفاق جديدة للفكر وللمعرفة وللعمل التاريخي المشترك لإنهاء هذا الاستقطاب وهذه الحرب المفتوحة، منذ قرون. كما إن هذا التاريخ المشترك الذي يفترض أن تجري حوله المفاوضات بين الدول-الشعوب، تعني تأسيس سياسة مشتركة تستهدف عن طريق الإعلام والقيم والثقافية والتربوية، تقديم الإجابات التي تحظى بالصدفية في كل ما يتعلق بالمشكلات التي قسمت منذ قرون ما يسمى بالوعي الحضاري والوطني والديني، والذي كرسه عدد من المقاربات المتبادلة للعداء والمنحازة والقابلة للتوظيف الاديولوجي الفوري في كل أوان ضد ( العدو) الذي تم تشكيله منذ زمن بعيد، وإن فكرا نقديا مسلحا بأدوات وإمكانيات العقل الضرورية يمكنه وحده إعطاء معنى جديدا ومهام جديدة لهذا التاريخ المشترك والمتحرر من المواجهة الحادة المستندة إلى الذاكرة المثخنة بالدماء والكراهية والتي يراد لها الاشتغال الدائم على خط الكراهية. جملة مفيدة: «الناس صنفان» إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق» – الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها