النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

كيف نفهم المفارقة؟ من أجل تفكيك منظومة الكراهية

رابط مختصر
العدد 8890 الإثنين 12 أغسطس 2013 الموافق 5 شوال 1434

من الذي زرع الحقد في نفوس أبنائنا؟ من زرع الكراهية والاحتقان والرغبة في القتل والتخريب في أنفس هؤلاء الشباب صغار السن؟ أين هو تأثير الدين والقيم والتربية على المحبة والإخاء والتسامح؟ لماذا تبخر كل ذلك وكان نسيا منسيا؟ من انتزع الخير من قلوبهم وزرع محلها الكراهية؟ أوليس غريبا ان يجمع هؤلاء المغرر بهم بين الانتماء الديني السمح بما يعنيه من قيم روحية وأخلاقية عالية، وبين النزع الطائفي الذي يولد هذا الحجم من الكراهية تجاه الآخرين بمن في ذلك الشركاء في الوطن..؟ كيف نفهم هذه المفارقة الغريبة؟ نظريا يبدو التدين عاملا معززا للتسامح والتضامن بين بني الإنسان، ولكن واقعيا تحول هذا التدين إلى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والتمييز والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من ان اغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى او في العصر الحديث قد لبست لباسا دينيا او طائفيا.. ذلك أن التدين يمكن ان يجمع بين وظيفتين، الأولى دينية والأخرى سياسية وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت، وأن التفكير دينيا بشكل مغاير لما هو سائد يمسّ البنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يتعالقان بشكل كبير، حتى الانصهار بين الديني والسياسي في الدولة. المشكلة عندنا في تنامي الخطاب الديني الطائفي المشحون بالأفكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية (الدينية) للتيارات والجماعات الدينية الطائفية تحديدا والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الإسلام السياسي التي وسمت العقدين الأخيرين من حياتنا بسمات التطرف وتبرير العنف في إطار رد الفعل على التدخل الخارجي في بلاد المسلمين، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الإحباط بين الجماهير، او كوسيلة من وسائل الاستيلاء على السلطة، فساد لفترة تفسير متشدد للنص الديني، يدور حول فكرتي التكفير او التغيير بالقوة، فخلقت لنا الأولى القاعدة والثانية خلقت أحزابا دينية طائفية تدخل معترك السياسة للاستيلاء على السلطة باستخدام لغة الديمقراطية لتتمكن من الاندراج ضمن الحراك السياسي المدني، واستخدام القوة والعنف في ذات الوقت تجسيما لفكرة التغيير بالقوة «للأخذ على يد الظالم» على حد تعبير قيادات هذه الجماعات، وهذا ما يفسر وجود مثل هذه المفارقة التي يعاني منها قسم كبير من شبابنا المتدين، بالجمع بين البعد الديني السمح، وبين ممارسة العنف والكراهية في أبشع أشكالها والتمييز الطائفي الذي أصبح منهجا مؤسسا للكراهية والحقد، بسبب الشحن بثقافية الكراهية واستحضار رموزها وجلبها من أعماق التاريخ، حيث يتم تربية هؤلاء الشباب وفي وقت مبكر جدا (ربما من الطفولة) على العداء الشديد للدولة وكراهية الآخرين المختلفين طائفيا، حتى وإن كانوا شركاء في الوطن. لقد كشفت الأزمة الخانقة التي مر بها مجتمعنا مؤخرا ان هنالك خزانا ثقافيا للكراهية بديلا مفجعا لروح المحبة والتسامح وكل قيم الإسلام السمحاء التي تؤكد بان المؤمنين إخوة وانه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، حيث تم تجاوز كل هذه القيم في وسط حالة من الحشد الطائفي الذي تسخر له فضائيات متخصصة وتبث لساعات الليل والنهار للتوجيه ومنع الشباب حتى من التقاط الأنفاس والتفكير في حالهم وفي خياراتهم الحرة داخل مجتمعهم، وقد توسع ذلك بشكل غير مسبوق وغير معقول ويتجاوز كل حد منذ احتلال العراق في 2003م وتمكن الفكر الطائفي من السيطرة على الأرض العراقية واستحضار القيم الطائفية واستخراج ملفات التاريخ القديمة لمحاسبة الأجيال الجديدة على أساسها، ومن يشاهد اليوم القنوات الفضائية العراقية الطائفية يصاب بإحساس بالتقزز والغثيان إزاء الكم الهائل من الحقد الذي يتم بثه بشكل منهجي وغريب، حتى وكأننا نعيش حالة حرب طاحنة بين الطوائف! إن ثقافة الكراهية لابد ان تزول من العقول والأنفس وان يعمل الجميع مفكرين وكتابا ورجال دين وكل الدعاة والواعظين على استئصالها.. وعلينا ان نتشبّث بكل المعاني الحضارية التي عرفتها مجتمعاتنا منذ مئات السنين، بالكلمة الطيبة، والمجادلة بالتي هي أحسن والقبول بالآخر والقناعة بأهمية المشاركة في كل شيء ورفض فكرة الاستحواذ والسيطرة بالقوة والتي من شانها ان تؤسس باستمرار إلى صراعات داخلية خطيرة، ولا يمكن حماية استقرارنا السياسي والاجتماعي اليوم، إلا بنبذ ثقافة الكراهية وتفكيك جذورها التي تغذي عمليات الإقصاء والتهميش ضد الآخر حتى ولو اشترك هذا الأخير معنا في الدين وفي الوطن وإن الحاجة اليوم ماسة وضرورية، إذا أردنا الأمن والاستقرار وحماية المكتسبات، إلى تفكيك هذه الثقافة التي لا تتوانى في خلق التطرف والإرهاب والأزمات المتلاحقة على أكثر من صعيد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها