النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

سياحة الروح.. ضياع المعنى التهاني الجوفاء في سلة ا

رابط مختصر
العدد 8885 الأربعاء 7 أغسطس 2013 الموافق 29 رمضان 1434

قبل العيد بأيام قليلة بدأت بطاقات التهنئة الجوفاء تتكدس على المكاتب، ويأتي الفراشون لإلقائها في سلال المهملات، دون النظر إلى اسم الكاتب والمكتوب: (كل عام وأنتم بخير) (عساكم من عواده و....) إلى آخر الإنشاء الذي تحفظه المذيعات ومكاتب العلاقات العامة، والشركات والسفريات والفنادق. كان يفترض أن أبدأ بالتهاني بالعيد (السعيد) ولكني احترت أهنئ من، وبماذا أهنئه..؟؟ فمع مرور السنوات والفجائع العربية، والكوارث القومية، وتتالي الخيبات في حياة هذه الأمة، لم يعد هناك عيد أو ما يشبه العيد، ولا ما يدعو- حقيقة- لأي فرح حقيقي وصادق من القلب. الفاتح من شهر شوال صار مثل كل فواتح شهور العام الهجري والميلادي والعجمي والتركماني والأرميني والكردي.. لا أدري ما الذي بقى يهمنا من انقراض شهر قمري وقدوم شهر قمري آخر، وفي انقراض شهر شمسي آخر؟!، ولا أدري هل بقى للتهنئة من معنى، في ظل الأوضاع التي تحياها الأمة من الماء إلى الماء، وفي ظل العجز والتردي والضعف والانقسام والاستقطاب والحيرة وانتشار الطائفية بديلا عن القومية، وانتشار البؤس بدلا من الازدهار الذي حلمنا به صغارا وآمنا به شبابا، ويئسنا منه كهولا..!! ولا أدري أي معنى للتهاني، ولماذا أتمنى لك عمراً مديداً، بل ولماذا تطلب لي وأطلب لك العمر المديد أصلاً.. فهل هذه الحالة (الكلبة) والأوضاع المتكالبة التي نحياها من البحر إلى النهر في حاجة إلى من يطول لها عمر!؟! الوقوع في هوى الكعبة لم أكن فيما مضى من الزمان، أتصور أن يكون للكعبة الشريفة كل هذا السحر الذي أسر مني النفس والروح والقلب! كنت أراها- قبل أن تتيسر لي زيارتها عدة مرات- مجرد رمز ديني، وكانت أثيرة في العقل والمعتقد دون أن تهتك أستار القلب هتكاً، ودون أن تثير في الوجدان كل تلك الهزة من المشاعر النقية النبيلة الخالصة. كنت أرى العائدين من الحج والعمرة يتحدثون عن شباب طارئ يصيبهم، وعن عنفوان في الروح تتسع به الحياة وتعلو على الجسد والغرائز والدنيا وبهرجها، وكنت بين المصدق والمتردد في التصديق، وكنت أقول لنفسي - خشية أن يتسع البشر إلى هواجس العقل وتردده - هل تفعل الكعبة كل هذا في النفوس العجوز والكهلة والشابة والطفلة سواء! هذا البناء المكعب المربع، الخالي من كل هندسة وزينة، كيف يأسر القلوب كل هذا الأسر!! وكان العقل يقترح عدداً من الأجوبة، تتراوح جميعها بين التفسير الرمزي والتحليل السيكولوجي. ولكن تواتر حديث العشق على ألسنة الأطفال والشباب والكهول والمسنين، جعل مساحة الحيرة تتسع، وجعل خجلي من (وقاحة) العقل يزداد يوماً بعد يوم. وحدث ما حدث، وتعطلت لغة الكلام، والمعادلات والحسابات.. ووجدت نفسي انخراط في منظومة مغايرة تماماً يندفع فيها القلب اندفاع الصبيان في حدائق الطفولة، ويتوثب فيها الوجد، توثب قلب العاشق عند لقاء حبيب هجر وبان، فوقع القلب في هوى الكعبة الشريفة، وإذا القلب يسيح سياحة ما كان يحلم بها قط، ولا عاش مثلها من قبل، ضاقت الدنيا واتسع ما حول الكعبة اتساعا، تقزم الجسد ونوازعه، وكان فتياً.. فإذا العوالم الزبرجدية تلوح، وإذا البرازخ والأنوار تشرق في ساحة الروح فتتسع فتسيح وتفيض وتعلو علوا، محلقة في فضاءات يتردد فيها نداء واحد (لبيك اللهم لبيك)، وإذا الروح تسري وإذا بي أقتفى أثرها في دمي، فإذا هي في مكنونات القلب حدائق وجنات، وإذا نداء (الله أكبر) وحده كلمة السر الوحيدة التي تجعلني فوق النفس، تجعلني انبعث حيا، شباب الدهر وصحة النفس وإذا العلة لا علة، وإذا الكدر والهم والغم كلها روح وريحان! هذا لبناء الأثير المكسو بالسواد المزين بالآي الكريم يتحول في لحظة الروح إلى بوصلة أخرى نحو عالم آخر تغيب عنه النوازع والمطامع والصراعات الصغيرة، معلم على طريق آخر مختلف، منعرج مفتاح النجاة فيه (هو الله وحده)، تخرج بعده حراً طليقاً مولوداً جديداً، وقد علوت على نفسك علوا.. رحلتي إلى (بيت الله الحرام) ومشاهدتي الكعبة في كل مرة أزورها تعيد إلّي النفس، وقد اهتدت بلا بوصلة، وهذا وحده مكسب جوهري، هي رحلة إلى الله، والكعبة معلم على طريقه، على طريق هذا الدين العظيم، الذي تتلامس فيه أكتاف العربي بالفارسي بالكردي بالأفغاني بالباكستاني... والأنشودة واحدة: (الله أكبر الله أكبر ولله الحمد) (لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك)!! هذه رحلة لا تكفي الكلمات الخجولة في رسم ملامحها، ولكن قطف الثمار الرقيقة وحده أعطى للقلب العزاء عن بعدها.. وعندما تلوح من بعيد في التلفاز تدغدغ القلب. لقد بات المسلسل التلفزيوني رقم واحد هو ذلك المشهد الذي يموج فيه كل ليلة من ليالي رمضان مئات الآلاف من طالبي السياحة الروحية في حدائق أخرى.. حدائق الروح والريحان، هؤلاء الحاملين مفتاحاً واحداً مختلفاً عن سائر المفاتيح كتب عليه (لبيك اللهم لبيك).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها