النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

نحو ديمقراطية قابلة للاستمرار: الحل الوسط التاريخي

رابط مختصر
العدد 8883 الإثنين 5 أغسطس 2013 الموافق 27 رمضان 1434

الإشكاليات التي تطرحها التحولات التي يحاول»الخارج» جرنا إليها، تحت عنوان تعميم ونشر الديمقراطية في الوقت الذي كان فيها البلد يمضي قدما نحو بناء وتكريس ديمقراطيته (انتخابات - وبرلمان فاعل- وحريات إعلامية واسعة - قانون للجمعيات - قانون لمباشرة الحقوق السياسية - مساواة بين الرجال والنساء... فصل بين السلطات....الخ)، تلك الإشكاليات اتسع مداها واشتغلت رحاها منذ اللحظة التي أراد هذا الخارج وقرر انه قد آن الأوان للتغيير»الديمقراطي»، فانطلقت اللعبة المرسومة سلفا بدايتها ونهايتها وبيادقها التي أفضت بنا إلى دوامة «المواجهة» الأهلية الجديدة التي يبدو انه لابد منها – بناء على ما قرره لنا العراب الأمريكي، من خلال تحويله منطقتنا إلى حقل تجارب للفوضى الخلاقة!! فمن الواضح اليوم ان الحركة التي تم فرضها على الشارع أو على جزء منه لم تكن موفقة، لا في توقيتها ولا في مضمونها ولا في شعاراتها ولا في تحالفاتها الخارجية، فقد خسر المجتمع منذ البداية وحتى اليوم الكثير الكثير من « الفوضى المنظمة» والمدعومة من الخارج، سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، جريا وراء «ثورة لتسليم المفاتيح» والتي تدور فصولها في السفارات الأمريكية في شكل قاعة عمليات يومية لإدارة المعركة «الديمقراطية» ضد الدولة والسلطة والمجتمع أيضا. ونلاحظ هنا ان العملية جرت وما تزال تجري وفقا «لدليل الاستخدام الأمريكي:الحركة في الشارع- التصريحات- البيانات- التحالفات- الصورة على منصة الرحيل - اللغة- إعلان الوثائق الديمقراطية..الخ»، هذه القصة الجديدة تختلف عن القصص الأخرى التي كان يسود فيها نوع من الاستبداد والظلم البارز ونوع من الفساد مستفز، بما يبرر تلك الانتفاضة- الثورة اجتماعيا وسياسيا وإنسانيا، بما جعل ما حدث قابلا للانجاز، كصيرورة تاريخية أو كأحد الحتميات الاجتماعية- السياسية في ضوء معادلة المقدمات والنتائج، أما ما حدث في البحرين فقد كان مختلفا تماما، القصة لم تنطلق من لحظة استبداد أو ظلم فاحش، بل انطلقت من لحظة كانت البلاد فيها تتقدم حثيثا على طريق الإصلاح والتطوير والمراجعة والقابلية للتطوير.. وفي مقابل المرحلية السياسية في الإصلاح الديمقراطي التي اختارها المشروع الإصلاحي في البحرين كانت هنالك محاولة في فبراير 2011 وما تلاه للقفز في الهواء على الواقع ومعادلاته والواقعية، فأغلب التوجهات في هذا المجال تميل إلى المرحلية كآلية للانتقال من حالة اللاديمقراطية إلى الديمقراطية الكاملة والتي لا تقتصر على الانتخابات والتداول السلمي على السلطة، بل ترتبط بنشر وانتشار الثقافة الديمقراطية بكافة مكوناتها الثقافية والسياسية والحقوقية. فالقفز من حالة الاستبداد إلى حالة الديمقراطية الكاملة غير ممكن من الناحية العملية إلا في حالة الثورات التي لا تبقي ولا تذر، وفي هذه الحالة فإن الحالة الثورية غالبا ما ترتبط بحالة من الفوضى والاعتداء والانتقام، وبالتالي يتم إحلال ما يسمى بالديمقراطية الثورية محل الحالة السابقة، وهي في الغالب حالة معادية للديمقراطية والحقوق عامة. ولا شك هنا ان المجتمع المدني يلعب الدور الأكبر في بناء الثقافة الديمقراطية وتأسيس التوجه الديمقراطي في النهاية، ولذلك يمثل اليوم تحديا مفهوميا ومعرفيا جديدا لثقافتنا السائدة، لا فقط لغياب تقاليد الحرية والاختلاف والتسامح والمواطنة، ولكن أيضا لأخطاء بعض المنظرين لهذا المفهوم ولعل من أبرزها سعيهم إلى إسقاطه على الواقع العربي بمنطق غربي لا يأخذ بالاعتبار خصوصية العلاقة بين السياسة والدين وجدلية المراحل في بناء الديمقراطية الوطنية على أسس دستورية مؤسساتية، إذ أن هشاشة التجارب العلمانية في الحقل الثقافي والسياسي العربي ترجع لأسباب عديدة من أهمها غياب الفهم الواقعي لطبيعة السياسة والاجتماع والخلط بين علاقة الدين بالسياسة وعلاقة الدين بالدولة، سواء من ناحية عقلنة المؤسسات المدنية، أو من ناحية مفهوم العقد الاجتماعي والوفاق التاريخي، فهشاشة التجارب العلمانية ترجع إلى الفجوة الحاصلة بين الجانب الفلسفي النظري للمفهوم، وبين المنظور الاجتماعي الذي يتطلب انخراط المثقفين في مختلف جبهات التحديث الاجتماعي (الجمعيات ـ المؤسسات الإعلامية ـ المنظمات المهنية ـ الأحزاب السياسية وغيرها...)، وذلك لان المجتمع المدني الذي نعنيه هو سلطة المجتمع في فرض مشروعية الدولة والفصل بين السلطات لتكون السلطة تعبيرا عن إرادة الناس، وهو أيضا إشاعة ثقافة التعددية وحرية التعبير والفكر والمعتقد وحرمة المواطن وقدسية الوطن، ولكن هذه السلطة المجتمعية لا تتكرس إلا في مؤسسات وقوانين (جمعيات ـ إعلام وأحزاب) يضمن وجودها دستور وآليات تشريعية تعبر عن حل وسط تاريخي بين مكونات المجتمع، كما أن شروط تحقيق هذا الواقع في حياتنا المدنية يمكن توفيرها إذا توفقنا إلى مقاربة شاملة للمشاركة السياسية، ودور الدين في الحياة وحدود وظيفته في السياسة، بالإضافة إلى معنى المواطنة وشروطها، فكلما تأخر المجتمع المدني في التشكل والوجود والفعل في التصدي لإشكاليات الديمقراطية والإيديولوجية الدينية وحقوق الإنسان العربي في المواطنة الحرة، تفاقمت هذه المشكلات، وذلك لان المجتمع المدني هو قبل كل شيء مطلب تاريخي لا مفر منه يتحمل فيه المثقفون المسؤولية الأولى إذا تخلصوا من عقدة الاستقالة من الشأن العام ولوثة الايدولوجيا الطوباوية ونزعة التبعية للسلطات بكافة أشكالها وأولها سلطة المرجعية الدينية التي تجعل أي ثقافة ديمقراطية بدون معنى وبدون محتوى على الصعيد العملي لأنها تعمل في اتجاه معاكس لتكريس الديمقراطية والعقلانية في السياسة والمجتمع والفكر. إن الاعتقاد بإمكانية انجاز الديمقراطية دفعة واحدة بمجرد استيلاء المعارضة على السلطة هو اعتقاد ساذج وغير واقعي، والأمثلة في الواقع العربي أو غير العربي يؤكد على استحالة حدوث مثل هذا التحول، بل ان الحقيقة التي لا شك فيها ان الديمقراطية بناء تدريجي وحضاري لا علاقة له في البداية بموضوع الصراع على السلطة بقدر ما له علاقة بنشر القيم الديمقراطية والثقافة الديمقراطية والممارسة الديمقراطية على الأرض..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها