النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

الجاهلية العربية المعاصرة

رابط مختصر
العدد 8882 الأحد 4 أغسطس 2013 الموافق 26 رمضان 1434

على امتداد العامين الماضيين عرفت المنطقة العربية تحولات نوعية جوهرية عن الكثير من السلبيات التي تنخر صلب النظام السياسي العربي، سواء على مستوى المنظومة الإقليمية العربية ككل، او على مستوى كل قطر منها على حدة. ينطبق هذا القول على المؤسسات الإقليمية العربية مثل الجامعة العربية ودول مجلس التعاون الخليجي كنموذجين للمنظومة الإقليمية، وفي تونس ومصر، بشكل أوضح عند الحديث عن التحولات القطرية. من هنا تبرز ضرورة الإشارة إلى السلبيات التي رافقت تلك التحولات، على المستويين: المفهوم النظري، والتطبيق العملي اللذين شكلا الإفراز الطبيعي لكل الظواهر التي عرفتها المنطقة العربية خلال العامين المنصرمين. فعلى المستوى النظري البحت كشفت تلك الأحداث، عن عورة تخلف العرب الفكري، والقياس هنا عالمي، في فهمهم للدولة كإطار سياسي، والعلاقة التي تؤسس لعلاقة ذلك الإطار السياسي مع المحيط الجغرافي الداخلي الذي يحتضنه، والفضاء الخارجي المحيط به، والموازي له، والذي لا يملك هذا الإطار إلا التعاون معهما والتعايش مع قوانينهما، إن أريد له أن يؤدي دوره الوظيفي السليم الملقى على عاتقه. فلو بدأنا بالمنظومة العربية الإقليمية سنكتشف، دون الحاجة لبذل أي جهد يذكر، أنه على امتداد السنتين الماضيتين، فشلت المنظومتان الإقليميتان العربيتان / الجامعة العربية ومجلس التعاون، في التأصيل لفهم نظري صحيح للأحداث التي عرفتها المنطقة العربية، وأن يكونا سوية أو أحدهما بشكل منفصل، في نطاق ذلك التأصيل، الطرف المحلي الناجح القادر على إخراج أي من الأقطار العربية من أزمتها التي عرفتها، من خلال برامج يتبناها، او خطط يرسم معالمها. يكفي الاستشهاد بالحالة اليمنية، فرغم موافقة صنعاء على المبادرة الخليجية، بكل ما حملته تلك المبادرة من مشاريع وبرامج، إلا انها لاتزال تراوح في مكانها، دون ان يلوح في الأفق ما يبشر بخروجها من عنق الزجاجة التي حشرت نفسها فيه. بل وصلت الأمور إلى ما هو أسوأ مما كان متوقعا، حيث بتنا نسمع من يشجب تلك المبادرة، ويتنصل من موافقته عليها، ويضع مسؤولية تردي الأوضاع في اليمن على كاهلها. وليس هناك ما يبدو في الأفق ما يشير إلى تقدم اليمن، ومن خلال تلك المبادرة نحو الأمام على طريق حل مدني متحضر لتلك الأزمة. ولا تختلف الحالة السورية عن شقيقتها اليمنية، إلا في كون الجامعة العربية، وليس مجلس التعاون هي الجهة التي تقف وراء المبادرة الفاشلة التي أرغمت جميع أطراف الصراع إلى القبول بمبادرة الأمم المتحدة، التي ليس هناك ما يضفي عليها طابعا عروبيا سوى موافقة الأخضر الإبراهيمي العربي الأصل على ان يخلف كوفي أنان كمندوب للأمين العام للأمم المتحدة. الحالة السورية أرغمت اللجنة العربية على التنحي جانبا، بعد الاعتراف بفشلها، وأدخلت اللجنة الدولية في دوامة من المسارات المتشابكة المتعاكسة، التي تنبئ بان مستقبل اللجنة الدولية لن يكون أفضل من نظيرتها العربية الفاشلة. ومن المنظومة الإقليمية ننتقل إلى الحالة القطرية، والتي لن تكون في وضعية أفضل، فعلى نسق المبادرات العربية الإقليمية، عرفت كل دولة عربية هبت عليها رياح ما عرف باسم «الربيع العربي»، مجموعة من المبادرات الوطنية الداخلية التي تقدمت بها مجموعات من القوى السياسية، والشخصيات الوطنية، المستقلة، وتلك المنخرطة في تنظيمات تمثلها، لكنها جميعا، ودون أي استثناء لأي منها، تكون نهاياتها رفوف وثائق أرشيف التاريخ العربي المعاصر. فبعد ان تفقد تلك المبادرات زخمها الذي تحتاجه، تتحول إلى مجرد أوراق يائسة دونت عليها قائمة من المشروعات، بعضها حمل صيغة المطالب، والبعض الآخر هيئة المقترحات او البرامج. ولعل أسطع النماذج لهذه الحالة العربية الفاشلة هي التجربة المصرية، التي تكاد ان تعود اليوم، وبعد ما يزيد على العامين على انطلاقة الأحداث المصرية، إلى أحضان المؤسسة العسكرية، التي كانت في الأصل السبب الرئيس في خروج الجماهير المصرية مطالبة بإسقاط رموزها المتمسكة بالسلطة لما يزيد على نصف قرن. إن صح لنا وصف هذه الحالة العربية التي لا تسر العدو قبل الصديق، فهي لا تخرج عن كونها «جاهلية معاصرة»، شبيهة بتلك التي عرفناها في القرن السادس الميلادي. تميزت تلك الفترة بمجموعة من الظواهر السلبية، يمكن تلخيص الأهم بينها في نقطتين أساسيتين هما: 1. الاقتتالات الداخلية المبنية على العصبيات القبلية، التي لا تترد في التضحية بكل مؤسسات المجتمع المدني، والتي كانت حينها في مراحلها الجنينية، على مذابح المصالح القبلية الضيقة، وهي ظاهرة تحدث عنها عالم الاجتماع عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة، عند معالجته لظاهرة التمدن. 2. نفي كل من هو في صف «الآخر»، والاستفراد بالسلطة والنفوذ، في إطار القبيلة الضيق، الرافض لبناء أي شكل من أشكال التحالف الواسع الذي يشكل في جوهره الإطار المترامي الأطراف الذي يتجاوز مفهوم العصبية القبلية نحو المواطنة. 3. الثانية، هي الاعتماد على الأجنبي في حل المشكلات الداخلية، في حركة مفتعلة تكاد ان تكون مشابهة لحالة الهروب من المشكلة نحو الأمام بدلا من مواجهتها والتصدي للقوى التي تقف وراء افتعالها. ومن يتابع الأوضاع المصرية واليمنية، سوف يكتشف أنه في الحالتين هناك هذا السلوك الواضح للعصبية القبلية، لكنها في لبوس جديد، وتحت مظلة حديثة، ليس أكثر من ذلك في شيء.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها