النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

مستقبل مصر وخديعة النماذج

رابط مختصر
العدد 8881 السبت 3 أغسطس 2013 الموافق 25 رمضان 1434

يوم الجمعة الماضي 26 يوليو (تموز) كان حدثا مهما في تاريخ مصر الحديث وخاصة بعد ما كان يعرف بالربيع العربي، فقد استجابت غالبية الشعب المصري لدعوة وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي التي وافق عليها الرئيس المؤقت لإعطائه تفويضا لمواجهة العنف والإرهاب، فقد خرجت جموع غير مسبوقة لمنح ذلك التفويض. سبق لكاتب هذه السطور أن أشار إلى أن «الإخوان» بعد إسقاط سلطتهم سيعودون لمعهودهم القديم وخبرتهم العتيقة في العنف والإرهاب الذي لم يتبرأوا منه يوما على مستوى الخطاب، ولم يعتذروا عنه يوما على مستوى الجرائم، منذ الاغتيالات والتفجيرات التي تمت بأمر حسن البنا، وصولا إلى التفجير والقتل الذي تم في الأسبوع الماضي، وهو مرشح للتصاعد ما لم يجرِ التعامل بجدية وحزم مع خطاب التحريض الضخم الذي اختارته الجماعة طريقا أوحد للتعامل مع الواقع الجديد. واضح وجلي أن الشعب المصري والدولة المصرية ومؤسساتها كالجيش والشرطة ومؤسسة القضاء ومؤسسة الأزهر ومؤسسة الكنيسة، والقوى السياسية المدنية بشتى توجهاتها، والمؤسسات الإعلامية قد أصبحت في هذه اللحظة التاريخية على قلب رجل واحد في رفض «الحكم الأصولي» الفاشل لجماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي بشكل عام، ولكن الإجماع الذي يجب خلقه هو إجماع على خارطة الطريق المعلنة والمضي فيها بحسم، لأن الخلافات على البناء ستكون أكبر من الاتفاق على الرفض. إن من المتوقع في المستقبل القريب أنه بعد مواجهة الخطر الإرهابي، المتمثل في جماعات الإسلام السياسي حديثة العهد بالعنف، ستخرج بعض الرموز الشعبوية والقوى الشبابية لتتحدث عن حكم العسكر ونحوه من المفردات المعروفة لرفض الواقع الجديد وستحاول تشكيل معوقات تجاه فرض هيبة الدولة من جديد. إن لدى الأفراد في الغالب شكا وريبة تجاه مؤسسات الدولة أنها تسرقهم وتظلمهم وتستأثر عنهم بالثروات والسلطة وهذا أمر طبيعي، ولذلك فهم في لحظات الاضطرابات الكبرى يزيدون شكا وريبة، واتحادهم بعد تحولهم إلى جماهير على الرفض أسهل بكثير من اتحادهم على البناء. يحدثنا التاريخ أنه بعد الاضطرابات والانتفاضات والاحتجاجات أو الهزائم الكبرى تفتش الأمم والشعوب عن مخلص وقائد وأب يمتلك الكاريزما اللازمة والحزم الضروري ليمنحها الأمل في استعادة الاستقرار المفقود والأمان الغائب، حدث هذا مع نابليون فرنسا ومع هتلر ألمانيا كأمثلة سريعة، وفي مصر المشهد مفتوح على مثل هذا السيناريو، ولكن يجب على أي ساع للقيادة أن يعلم أن صورته لن تكون نحتا صلبا ولا صورة ثابتة، بل هي صورة تنعكس على مياه غير راكدة ومعرضة للتشويش، وقراراته وحزمه وقدرته على القيادة ستكون مجتمعة هي الفيصل. إن الخطاب الآيديولوجي الذي لم يزل ينطلق من جماعة الإخوان المسلمين والإعلام الموالي لهم ومنصتهم في تقاطع «رابعة العدوية» كمثال مليء بالتطرف والتكفير، فقد تم تطبيق النصوص والمفاهيم الدينية التي تتحدث عن الأعداء المحاربين من غير المسلمين على الشعب المصري ومؤسسات الدولة والقوى المدنية بكل صراحة ووضوح، وهو استمرار لمنهج إخواني قديم لا يرى في غير أنصار الجماعة وكوادرها إلا كفرة أعداء للدين وخصوما للإسلام بعد اختزال الإسلام في الجماعة وحدها. إن رموز الإخوان المسلمين يرتكبون جرما كبيرا بحق أتباعهم في الداخل والخارج حين يدفعونهم لتبني موقف أشبه ما يكون بالموقف الانتحاري، وذلك بإصرارهم على العنف والإرهاب خيارا وحيدا، ذلك أن المنهج الإخواني الثابت هو إجبار الأتباع على الخضوع والطاعة من دون تفكير ومن دون إرادة، وهذا ينطبق على الرموز كما ينطبق على الأفراد، ويكفي هنا استحضار أن عمر التلمساني المرشد الثالث للجماعة يقول عن نفسه: «كنت والأستاذ البنا كالميت بين يدي مغسله». القارئ المتمعن في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين يعلم أنها أشبه ما تكون بتنظيمات المافيا ولكن بصيغة عالمية أو بالماسونية، كما تصورها تهويمات بعض المثقفين والإسلاميين، ومن يرصد رد فعل المنتسبين إلى الإسلام السياسي مهما قيل عن اعتدالهم ووسطيتهم، إن في السلطة كتركيا أو خارجها كما لدى إخوان الخليج، يعرف بسهولة أنهم جميعا تكتل واحد ذو روابط ووشائج عميقة وراسخة ضد للأوطان والشعوب، وأنهم بالفعل «أهل وعشيرة» متحدة لا علاقة لها بالشعوب ولا تعترف بالدول. إن النموذج الأمثل لمصر لا يكمن في الماضي مهما أرادت بعض الجهات أن تراه جميلا أو مخيفا كل بحسبه، فلن يكون في مصر جمال عبدالناصر جديد كما يؤمل القوميون، ولن يعود لها نظام حسني مبارك كما يخوف خطاب الإسلام السياسي، ولن يحكمها العسكر كما تخشى بعض القوى الشبابية، إنها بحاجة لخلق نموذج جديد كليا تصنعه على عينها وتختاره بنفسها، يكون قادرا على إعادة هيبة الدولة وفرض الاستقرار ونشر الأمان وإدارة عجلة التنمية، ومهما ساعدها الأصدقاء ودعمها الأشقاء فإنها يجب أن تجترح الحل وتدافع عنه بنفسها. ربما كان من المفيد لمستقبل مصر أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تزل محتارة تجاه ما يجري في مصر كما هي محتارة تجاه ما يجري في سوريا، وهي لم تزل مترددة ولا تعبر عن رؤية صلبة واستراتيجية واضحة، وهي خطوة ربما يمكن اعتبارها خطوة للأمام بعدما كانت في السابق تقدم حيث يجب الإحجام، وتحجم حيث ينبغي التقدم. من الخطأ الظن أن مشكلات الفوضى الكبرى يمكن أن تنتهي بين عشية وضحاها، أو أن خلق الإجماع الوطني بعد الانتفاضات الضخمة سهل وميسور، فشواهد التاريخ ماثلة وتجارب الأمم شاهدة، وليس أكثر ضررا من خديعة النماذج التي يتحرك على أساسها بعض السياسيين أو يحلل من خلالها بعض المثقفين أو تعتمد عليها بعض الجماهير، ومن ذلك خديعة النموذج الموحد للثورات، وخديعة النموذج الموحد لحل وهمي ناجز وثابت وقابل للتطبيق في كل زمان ومكان. بتوجيه اتهامات قضائية للرئيس المعزول محمد مرسي، وتصريحات وزير الداخلية المصري حول فض اعتصامات «الإخوان» قانونيا، وبالدعوة المستمرة للعدالة الانتقالية، ومن قبل ومن بعد بالتفويض الذي تحصل عليه السيسي من الشعب المصري لمواجهة الإرهاب - تتضح الملامح الرئيسة لخارطة الطريق المعلنة؛ فرض هيبة الدولة، وتعزيز سلطة القانون، والبحث عن أكثر المخارج أمانا، وافتراع نموذج جديد يركز على مصالح البلاد ويراعي علاقاتها الاستراتيجية في المنطقة ويتطلع إلى مواقف دولية طبيعية ومؤيدة. أخيرا، ليس من عبارة أكثر بلاغة وتعبيرا عن المرحلة المقبلة من كلمة القوات المسلحة المصرية للشعب التي تقول: «تعظيم سلام، وشكرا». بالاتفاق مع الشرق الأوسط

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها