النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

نبوية موسى.. امرأة من ذلك الزمان

رابط مختصر
العدد 8880 الجمعة 2 أغسطس 2013 الموافق 24 رمضان 1434

هذان كتابان يجمع بينهما أن كلا منهما يروي السيرة الذاتية لمؤلفته، وأن كلا منهما كانت امرأة مصرية، عانت في سبيل تعليم نفسها مشاق لا يحتملها بشر، وأدت دورا مهما في الفضاء العام لبلدها في وقت لم يكن المناخ الاجتماعي مهيأ لكي تلعب المرأة أي دور، مع أن التعليم لم يكن آنذاك، خاصة في مراحله المتقدمة، من بين المزايا التي يتطلبها المجتمع في المرأة، أو يرفع من قيمتها في سوق الزواج، بل لعله على العكس من ذلك، كان من أسباب ركود الطلب عليها في هذه السوق، إذ كانت منظومة القيم الاجتماعية في ذلك الزمان، تقضي بأن تكون الزوجة أقل قيمة من الزوج في كل شيء، في العمر والثروة والعلم والجاه، حتى لا تتجاسر، فتتصور أنها ند له، أو أرفع مكانة منه، ولكي تظل تتعامل معه باعتباره «سي السيد». وأولى هاتين المرأتين هي «نبوية موسى» (1886-1951) التي دخلت التاريخ باعتبارها واحدة من أوائل الفتيات المصريات اللواتي حصلن على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية عام 1902، وأول فتاة تحصل بعد ذلك التاريخ بخمس سنوات على شهادة البكالوريا، عام 1907، وهي تساوي الآن شهادة اتمام الدراسة الثانوية، وواحدة من رائدات إصدار الصحف النسائية عندما أصدرت مجلة «الفتاة» عام 1927، والأهم من هذا وذاك أنها أعطت عمرها لقضية تعليم الفتيات في مصر، تلميذة ومعلمة وناظرة، ومؤسسة لمدارس أهلية، خصصتها لتعليم الفتيات، وكانت حياتها سلسلة من المشكلات والمصادمات، لسبب واحد هي أنها أصرت على أن تتعلم وأن تعلم غيرها من النساء وأدركت أن تحرير المرأة يتحقق عمليا، بأن تنتزع حقها في التعليم وتمارس هذا الحق، لكي يفتح لها ذلك الباب أمام انتزاع حقها في العمل، فتمارسه وتتقنه، لكي يقودها ذلك لاحتلال مكانتها في المجتمع. وكان والدها ضابطا بالجيش المصري سافر إلى السودان قبل ميلادها بشهرين ثم انقطعت أخباره، وكانت في السادسة من عمرها حين أخذت تتابع شقيقها الذي كان طالبا في المدارس الثانوية يكبرها بعشر سنوات، وهو يحفظ المقرر عليه من الشعر والنثر، ولما اكتشف أنها تحفظ المقرر أسرع منه، أخذ يسمِّعه لها وتسمِّعه له، فعرفت الأدب وحفظت عيون الشعر والنثر قبل أن تميز الفارق بين الألف وكوز الذرة، وما كادت تتعرف من شقيقها على الحروف الأبجدية حتى اعتمدت على نفسها في تعلم القراءة بالعودة إلى الكتب التي تضم القصائد التي تحفظها وتفكيك حروف كلماتها، وما كادت تتقن القراءة، حتى أقبلت بنهم على قراءة عيون الأدب بخاصة الملاحم الشعبية، وتعلمت النحو بنفسها من كتاب كان مقررا على طلبة المدارس الأولية. وكانت في الثالثة عشرة من عمرها، حين قررت أن تلتحق بالمدرسة السنية، لتتلقى تعليما منظما ولما كان عمرها لا يؤهلها إلا لدخول امتحان القبول للسنة الثالثة، فقد طلبت من أمها أن تتلقى دروسا خصوصية في مقررات السنتين الأولى والثانية، فرفضت واعتبرت ذلك خروجا على قواعد الأدب والحياء، ومروقا من الدين، فاعتمدت على نفسها في دراسة المواد التي لم يكن بها سابق معرفة كالحساب واللغة الإنجليزية وسرقت خاتم والدتها لتبصم به الطلب الرسمي الذي تقدمت به لامتحان القبول، وكانت الوحيدة التي تقدمت له في ذلك العام من منازلهم. ولما عادت إلى منزلها، وهي تكاد تطير من الفرح لتخبر أمها بأنها نجحت.. قالت لها الأم: لو دخلت المدرسة فلن أعرفك منذ اليوم.. ولن أعطيك مصاريف الدراسة.. وقال لها شقيقها نفس الكلام.. ولكنها تمسكت بموقفها، وهددت الأسرة بأن ستلتحق بالقسم الداخلي لتقيم بالمدرسة.. وحين أمسكت أمها عن مدها بمصروفات الدراسة، باعت سوارا من مصوغاتها، ودفعت المصروفات وكانت جنيهين ونصف الجنيه، ورضخت الأسرة أخيرا، مقابل أن تعدل عن اصرارها على ترك المنزل والإقامة بالقسم الداخلي. وكان على «نبوية موسى» أن تبذل مجهودا استثنائيا للتغلب على نقص حصيلتها المعرفية بالعلوم التي لم تكن قد درستها بنفسها كاللغة الانجليزية - التي كانت ضعيفة فيها جدا - والحساب، وأن تواجه مشكلة رداءة خطها لأنها تعلمت الكتابة على كبر، وأن تواجه مشاكل الاندماج في بيئة مختلفة عن البيئة التي نشأت فيها، كانت تضم بنات الطبقة الراقية، فضلا عما كانت تعانيه بسبب مشاعر المنافسة التي أحاطت بها، بعد أن تنبه زميلاتها إلى تفوقها عليهن في الإنشاء واللغة العربية بسبب ما كانت قد حصلته بمجهودها الذاتي، لكنها استعانت بقوة إرادتها وإصرارها على أن تتعلم، وفي نهاية العام الثاني سنة 1902، كانت واحدة من أربع فتيات حصلن على الشهادة الابتدائية ليصل بذلك عدد الحاصلات على الشهادة الابتدائية، إلى سبع فتيات، بعد أن حصلت ثلاث فتيات على هذه الشهادة في العام السابق، كان في مقدمتهن الكاتبة والشاعرة «ملك حفني ناصف» التي كانت تعرف باسم «باحثة البادية». ولم تكتف نبوية موسى بالحصول على الشهادة الابتدائية بل انتقلت إلى قسم أعلى في المدرسة ذاتها، هو قسم المعلمات وكانت الدراسة فيه تستغرق ثلاث سنوات، وتؤهل الحاصلة على شهادته للعمل كمدرسة في المدارس الابتدائية والأولية للبنات، وخلال هذه السنوات خاضت معارك كثيرة ضد إدارة المدرسة التي كانت تديرها سيدة إنجليزية في وقت كانت مصر تخضع فيه للاحتلال البريطاني، ويدير كل مرافقها المحتلون، وبرزت شخصيتها القيادية بين زميلاتها، وكادت صداماتها مع ناظرة المدرسة الإنجليزية، تقودها إلى الفصل من المدرسة، لولا أن الظروف لم تكن تسمح لها بذلك، بعد أن فصلت قبل ذلك طالبة أخرى، وكان من آثار هذا الصدام، أنها بعد أن تخرجت في المدرسة وكانت الأولى على دفعتها لم تعين مدرسة بها، لولا أن الناظرة قالت إنها لن تسمح بأن يضمها مكان واحد مع نبوية موسى إلا القبر.. فعينت مدرسة للغة العربية بمدرسة أخرى! وفوجئت عندما ذهبت لتقبض مرتبها أنها عينت بمرتب ستة جنيهات، فثارت لأن خريج المعلمين العليا الذي يقوم بالعمل نفسه يتقاضي اثني عشر جنيها، فطلبت من وزارة المعارف أن تساوى بين النساء والرجال في المرتب طالما يقومون بالعمل نفسه، ولما قيل لها إن الفارق بينها وبين زملائها خريجي المعلمين العليا أنهم يحملون شهادة البكالوريا، قررت أن تحصل عليها، وخلال شهور كانت قد درست بنفسها المقررات الدراسية التي تنقصها فكانت أول طالبة تحصل عليها عام 1907 إذ لم تحصل طالبة أخرى على هذه الشهادة إلا عام 1928 وتضاعف أجرها من ستة إلى اثني عشر جنيها. وعلى هذا النسق مضت حياة نبوية موسى التي روتها في كتابها «تاريخي بقلمي»، حتى رحلت عن عالمنا وهي في الخامسة والستين عام 1951، بعد أن برهنت أن حرية المرأة هي مسؤولية المرأة قبل أي أحد آخر، وأنها تستطيع أن تحصل عليها بقدر ما تثبت أهليتها لها، وذلك ما أكدته أيضا «عائشة عبدالرحمن» التي عرفها الناس باسم «بنت الشاطئ».. وتلك قصة أخرى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها