النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

حتى لا يستمر الوطن في الدوران في حلقة مكررة

رابط مختصر
العدد 8878 الأربعاء 31 يوليو 2013 الموافق 22 رمضان 1434

هل يمكن أن تكون الديمقراطية طائفية، وهل يمكن أن تكون الطائفية ديمقراطية؟ بمعنى آخر: هل يمكن أن نكون طائفيين ونتحدث عن الديمقراطية في ذات الوقت؟ وهل يمكن أن نكون ديمقراطيين ونصطف طائفيا ونفكر طائفيا؟ - جواب السؤال الأول هو بكل بساطة لا يمكن أن تكون الطائفية ديمقراطية، لان الديمقراطية تكريس للمواطنة الحرة وان الوطن هو نقيض الطائفية بطبيعته الاجتماعية والسياسية والتنظيمية، فعندما يسود النظام الطائفي يغيب الوطن، وعندما يفرض هذا الوطن نفسه على الجميع تتوارى الطائفية وتذبل، وبهذا المعنى فإن في الطائفية ضياعا للوطن والمواطن، كما أنه عندما تحل الطائفة محل الوطن فإنها تضفي عليه صفاتها فيتآكل ويموت في الذاكرة والعقول والسلوك قبل موته المادي ونفيه إلى العدم من خلال الحروب التدميرية العقيمة وإعادة إنتاج لحروب أخرى من ذات الطبيعة وهي الحروب التي تتغذى عليها الطائفية ولا تقوى على العيش بدونها.. - جواب السؤال الثاني، هو انه بالإمكان إنشاء الطائفية المحاصصية باتفاق الطوائف على إلغاء الوطن والمواطن وتقاسم المغانم على أسس طائفية، وإذا كان البعض يعتقدون بان هذا النوع من المحاصصة(كتلك الموجودة في لبنان وتشق الحياة العامة والإدارة وجميع مؤسسات الدولة) فإنه من الأفضل لهم أن يتحدثوا عن أي شيء، إلا عن الديمقراطية والوطنية. لا مجال، والحالة هذه، لأية حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات محايدة شكلا تلفلف بها جوهرها الأيديولوجي الرجعي الطائفي، كأن يسمي الطائفيُّ نفسه إيمانيا ديمقراطيا توافقيا، أو أن يدعو تنويري يساري تقدمي إلى سيادة (العدالة والحق والمواطنة المتساوية) وإلى إزالة التمييز الطائفي ولكنه يرفض، في ذات الوقت، البديل الديمقراطي العلماني الكامل مجاملة أو مسايرة أو خوفا من حلفائه الطائفيين، او انه يتحالف مع من هو على يقين بانه غير قادر على المضي بالمعادلة الديمقراطية الى نهايتها المحتومة، ومع من يتوقع بأنه سوف ينقلب على أي انجاز ديمقراطي في أول منعرج يجد فيه نفسه أكثريا.. إن الجدل العقيم حول ما سمي بديمقراطية المحاصصة بين الطوائف قد أفضى إلى خلطة عجيبة من المتضادات، هي اقرب إلى «الخلطة اللاعقلانية» المصلحية، التي لا تستقيم على أي وجه قلبتها، فعندما تلجأ بعض القيادات الطائفية - السياسية، بعد أن استتب لها أمر الهيمنة الطائفية على الطائفة وأحكمت سيطرتها على مداخلها ومخارجها، إلى الترويج لتقسيم الوطن ليتحول إلى وطنين أو كانتونين، فإن هذه القيادات (من حيث قصدت أو لم تقصد) قد نجحت فعليا في بناء جدار للفصل (الطائفي) بين المواطنين، من خلال تصنيفاتهم التمييزية المدمرة، وساعدت على الحصول على تمثيل مفروض على جمهور من المواطنين المحجوزين دون ادارة حرة أو المحجوزة أصواتهم باسم الطائفة.. إن مثل هذه الدعوة -على الرغم مما تتستر به من شعارات «ضد طائفية» في الظاهر اللغوي والدعائي- تكرس واقع الطائفية التقسيمية، لأنها تريد في الحقيقة، استبدال هيمنة طائفة، بهيمنة طائفة أخرى بداية، ولكن عندما تبين استحالة ذلك عمليا وسياسيا وواقعا، وعند أوصلهم تفكيرهم الأناني المخادع المضلل إلى «انتهاء المعركة الطائفية بما يشبه التعادل في مباراة الصراع المفتعل المصطنع - ففضلوا اللجوء إلى التقسيم الطائفي لإدارة شؤون الدولة، من خلال ما يشبه مجلس الطوائف لاقتسام السلطة على الطوائف، (ويمكن تسميته على الأرجح بمجلس الطوائف الديمقراطي مثلا) مادامت القصة كلها مجرد لعبة لغوية لا أكثر ولا اقل للفلفة الدعوات والمقاصد الطوائفية في ورق السيلوفان، وبهذه الطريقة فقط يستمر تاريخ الوطن في الدوران في حلقة مكررة من الخراب والدمار والغبن الشامل، نتيجة الاستماتة في الوصول إلى السلطة بأي ثمن، وآخر (تقسيمها)!. إذا كان بعض الطائفيين ما يزالون إلى اليوم يعتبرون الديمقراطية بدعة لا تجدر الثقة بها أو اللجوء إليها إلا للظفر بالسلطة(التي تتحول إلى غنيمة)، فإن التيارات الجديدة التي أحست ان لها بعض التأثير العددي ارتأت في الديمقراطية وسيلة نافعة للوصول إلى هذا الهدف كمطية للوصول إلى السلطة والسيطرة على المجتمع وإدارته، ولا يتم استخدام الديمقراطية إلا كآليات شكلية للسيطرة على المجتمع والتحول تدريجيا إلى ديكتاتورية دينية، أما ما بقي من الديمقراطية فهو مجرد هيكل عظمي بدون حياة يمنع أي حراك ديمقراطي مستقل عن سلطة أو أي شكل من أشكال الاحتجاج عليها، وتكريس هيمنة الفقهاء على الحياة العامة والخاصة للمواطنين، ويتم تكفير وتخوين أي حركة خارج هذا الضبط والربط الصارمين، وفي ظل هكذا «ديمقراطية»يتم إعدام المعارضين واعتبارهم جواسيس وعملاء للغرب، ومنع التظاهر الحر وحتى الأنشطة الثقافية والفنية والسينمائية وغيرها.. إذا كنا نتفق على ضرورة جعل الديمقراطية في مجتمعاتنا محصنة بسياج من القيم الروحية والتي هي جزء من نسيج المجتمع وهويته، فإنه لا يمكن القول بأننا ديمقراطيون من ناحية ونتكئ في ذات الوقت إلى سلطة المقدس الطائفي الذي لا رد لقوله في الشأن السياسي أو الاجتماعي (حيث لا معارضة لهذه السلطة ولا نقد ولا راد لها بأية صورة من الصور) بما يعني في النهاية انتفاء الديمقراطية في أهم تجلياتها وهي الحق في الاختلاف وحرية الاختيار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها