النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

رؤية ثقافية خارج حركة التاريخ.. أو الخوف من الوقوف

رابط مختصر
العدد 8876 الإثنين 29 يوليو 2013 الموافق 20 رمضان 1434

قبل عدة سنوات سألت الصديق الشاعر والناقد علوي الهاشمي لماذا تتعثر صفحاتنا الثقافية وتختنق ثم تموت، في مقابل ينمو كل شيء في صحافتنا المحلية (الرياضة- الاقتصاد- السياسة- الفرفشة والموضة والطبيخ.....)؟ فرد في عبارة موجزة ولكنها معبرة، مازالت أذكرها، تشخص بعمق تلك الإشكالية: «إن المثقف يحمل بيديه مصباح (ديوجين) يبحث عن الحقيقة، ولذلك لا يمكن أن يمر عبر البوابات والحواجز بسهولة»..!! ذكرتني تلك العبارة الموجزة بما نراه اليوم من أن الباب الوحيد في صحافتنا الذي يمسه التراجع والانكماش والاختناق، ويصبح منبوذا هو الباب الثقافي، وحتى الصحف التي سبق لها ان أصدرت ملاحق ثقافية في غفلة من الزمان، عادت وألغتها، فهل العيب في الصحف أم في الصفحات نفسها أم في المشرفين عليها أم في مصباح «ديوجين» الذي تحدث عنه علوي؟؟ لقد نمت وازدهرت الصفحات الثقافية في البحرين، ثم تقلصت وانطفأت إلى أن تحولت إلى مجرد هامش «مجاملة» أو «سد خانة» أو مجرد تعليق على قطار الحياة الثقافية المار بملل بدون حياة، وهذا ولا شك موضوع يستحق البحث والدراسة، ولكن الانطباعات المستخلصة من تجربتي الشخصية لأكثر من عشرين سنة في هذا المجال، ومن معرفتي بواقع هذه الصفحات أوصلتني إلى الالتقاء مع تشخيص علوي. فالصفحات الثقافية عندنا جزء من الظاهرة الثقافية في الوطن العربي، يعوزها كل شيء تقريبا، لأن الكائن الثقافي، في هذه الأمة- كما يقول علوي- كائن منبوذ من كل الفئات والطبقات الاجتماعية، متآمر عليه من كل الجهات، لأنه يملك مصباح «ديوجين» ويبحث عن الحقيقة، ولأن الكل يعيش حالة من الإثم الجماعي، في الظلام، فإن الكل يخاف من كشف عوراته، أو الوقوف لحظة أمام هذا المصباح الثقافي الكاشف، لذلك يتفق الجميع على نفيه أو تدجينه أوتقليصه في أحسن الأحوال ليكون مجرد صورة «رمزية»، فماذا نتوقع من صفحات ثقافية يمكن للإعلان أن يلغيها جملة وتفصيلاً أو يقصص أجنحتها في طرفة عين، في حين لا أحد يجرؤ على إلغاء صفحات الرياضة أو تقليصها، بالرغم من أن المساحة الثقافية عندنا هي الأضيق، وهي الأقل تواتراً في الأسبوع والشهر، فإن التعدي عليها أمر عادي ومتواتر ومتكرر فكيف يعيش كائن تتناوشه رماح الاستهلاك والمطاردة والتقليص والاستخفاف؟ إن المأساة لا تتجسد في الثقافة فحسب، بل إن المثقف نفسه، عندما تتنازعه قوتا الثقافة والإغراءات الأخرى، فإن النتيجة معروفة مسبقاً.. مما يجعلنا نشكك في المثقف نفسه، وفي مدى قدرته على الصمود ومدى اقتناعه بدوره الثقافي وبرسالته الثقافية. ويقودنا هذا الأمر بعد ذلك إلى الصفحات الثقافية نفسها – بالرغم أنني كنت احد المساهمين فيها لأكثر من 25 سنة- فهي إجمالا مشوهة خاصة في إطار ما ينبغي أن نقوم به من دور في الساحة الثقافية.. فهي منزوعة الوظيفة تعيش في حالة من الهلامية الرخوة بلا عظام، تصنع لها جسداً بلا قوام، وتظل دائماً مرهونة بالظروف... ولذلك يجب التأكيد أنه وقبل أن تصبح الثقافة ضرورة لن تنمو لها عظام، ولن تتحول إلى مشروع.. وهذا شأن كل الصفحات الثقافية في الوطن العربي كله وليس عندنا فقط... فهذه الصفحات بلا رؤية وبلا إستراتيجية... فنشر عمود أو قصة وقصيدة ومقالة أو مقابلة لا يصنع صفحات ثقافية، ولا يصنع ثقافة بالتالي... وذلك لأن تغطية المساحة أشبه ما يكون بورقة التوت التي تغطي عورة الواقع العربي. وما المطلوب إذن؟ إذا أريد للثقافة أن تكون مشروعاً، فإن الصفحات الثقافية يمكن أن تكون جزءاً من هذا المشروع، المطلوب هو أن تتحول الصفحات الثقافية إلى جزء من رؤية ثقافية وفكرية تخدم حركة التاريخ... أما والثقافة مهمشة في واقعنا العربي، فستظل الصفحات الثقافية مجرد ورقة توت للتغطية.. تطوير الصفحات الثقافية يجب ان يتصل بتطوير الثقافة، وتطوير الثقافة يجب ان يرتبط بقانون الفعل الثقافي، لا بد من وجهة نظري أن تتحول الصفحات الثقافية إلى شريحة من الواقع الثقافي، يقودها ويكتبها وينشطها شعراء وقاصون ونقاد ومفكرون، ولا بد أن يكون في كل صحيفة قسم ثقافي ينخرط فيه عدد من المتحاورين والمثقفين، فيصبح في ذلك خلية من الواقع الثقافي الذي ينتج الصفحة الثقافية... أما أن يذهب مندوب من الجريدة ليغطي ندوة، ويتسلم المسؤول على الصفحة قصيدة ليقرر نشرها أو عدم نشرها أو يبحث عن قصيدة أخرى لنشرها فهذه مسألة لا تتصل بالفعل الثقافي الحي بقدر ما تتصل بقشور الثقافة المتطايرة، التي لا تصنع الثقافة. كما أن العلاقة بين الإبداع والصفحات الثقافية لا بد أن تكون علاقة جدلية، التجليات الإعلامية تعكس الواقع الثقافي، والواقع الثقافي ليس إنتاج ذاته فقط بل هو إنتاج البنية الاجتماعية السياسية.. عندئذ يأتي دور الصحافة الثقافية كحالة من تجليات هذا الفعل المؤسس على سواه، والمشتغل بالصحافة الثقافية، إذا كان منغرساً في الفعل الثقافي فإنه لو تتاح له الفرصة الكافية لأعطى وأثر، ولاستطاع أن يحول هذه الصفحات إلى مركز إشعاع...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها