النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

سياسة البحث عن كبش فداء

رابط مختصر
العدد 8873 الجمعة 26 يوليو 2013 الموافق 17 رمضان 1434

هذه قصة من التاريخ المصري المعاصر، تمنيت لو أن الرئيس السابق الدكتور محمد مرسي كان قد قرأها أو أن قيادة الإخوان المسلمين كانت قد عرفت بها أو أنني كنت قد نشرتها قبل التطورات الأخيرة التي انتهت بعزل الرئيس عن منصبه، وبخسارة الإخوان لأعظم مكسب تاريخي حققوه في تاريخهم، حين حكموا بلدا بحجم ومكانة مصر لعل الطرفين يستفيدان منها في معالجة الأزمة بدلا من الأسلوب الخاطئ الذي اتبعوه وقادهم إلى ما هم فيه، بخاصة أن كثيرين كانوا يسألونني آنذاك وقبل ذاك: هل تعتقد أن جماعة الإخوان المسلمين يمكن أن تتخلى عن الرئيس مرسي، وتحمله مسؤولية حالة السخط الجماهيري التي أحاطت به، وتولدت عن أسلوبه في الحكم، وطالت الجماعة نفسها بسبب يقين المصريين بأن الرجل لم يكن يضع السياسة بل كان ينفذها؟ وكنت أجيب بأن ذلك ممكن لو أن قيادة الجماعة امتلكت القدر الكافي من الذكاء السياسي، الذي يمكنها من إدراك أن التضحية بالرئيس حتى لو لم يكن مسؤولاً وحده عن هذه السياسة هي أقل الخسائر التي يمكن أن تدفعها فداحة!. والقصة تعود إلى عام 1977، وتتصل بمظاهرات الطعام، التي وقعت في يومي 18 و19 يناير من ذلك العام، حين فوجئ المصريون بعد شهور متصلة من الحديث عن الرخاء القادم، بالحكومة التي كانت تقدم لهم هذه الوعود، تصدر مجموعة قرارات برفع الدعم عن سلع الاستهلاك الشعبي، فتجمعت عوامل سخط متراكمة، وخرج مئات الآلاف من المواطنين يتظاهرون في شوارع العاصمة والمدن الكبري، احتجاجا على هذه القرارات وارتفعت الهتافات بسقوط الحكومة، وطال بعضها شخص الرئيس السادات، وما كاد الظلام يسدل أستاره حتى قامت مجموعات من أطفال الشوارع والمتعطلين بالهجوم على عدد من المتاجر ونهب ما بها من سلع واحراق بعضها واشعال النيران في عدد من السيارات الخاصة والعامة. ولم تهدأ الأمور إلا بعد أن أعلن الرئيس السادات إلغاء قرارات رفع الأسعار، وأمر بنزول الجيش إلى الشوارع لحماية الممتلكات العامة والخاصة، بعد أن عجزت الشرطة عن حماية الأمن، بل وانضم بعض أفرادها إلى المتظاهرين وأعلن حظر التجوال في العاصمة والمدن الكبرى. بعد أسبوع من المظاهرات استدعى الرئيس السادات الكاتب الكبير الراحل «أحمد بهاء الدين» الذي كان يعمل آنذاك في «الكويت» رئيسا لتحرير مجلة «العربي» لكي يتشاور معه في الأمر، ولكي يكلفه بكتابة خطاب له قرر أن يلقيه بمناسبة الأزمة، ويقول «بهاء» في مذكراته ان الرئيس حين التقاه، كان غاضبا وممرورا مما سماه «انتفاضة الحرامية».. التي حرضت الجماهير على الهتاف بسقوطه، بعد أقل من أربع سنوات على تحقيق نصر أكتوبر العظيم. وكان ينطلق من تحليل لما حدث يرى ان الذين حركوا الغوغاء ضد نظامه هم من المتآمرين الشيوعيين والناصريين من «فلول» مراكز القوى الذين كانوا ينافسونه على السلطة، وأنه لا مفر من ضربهم وتصفيتهم بالقانون، لكي يعود الاستقرار إلى البلد. وحاول «بهاء» في بداية اللقاء أن يهدئ من ثورة الغضب التي كانت تتملك الرئيس فذكره بأن البلاد التي تحدث فيها المظاهرات هي البلاد الديمقراطية الراسخة، وأن الهتافات البذيئة التي طالته أثناءها، أمر عادي وشائع في لغة الخطاب اليومي للمصريين، بل إنهم يستخدمونها أحيانا في سياق إبداء الإعجاب أو ازجاء المدح لمن يشتمونهم، ولكن ذلك لم يطفئ من غضب «السادات» الذي كان يصر على اتخاذ إجراءات عنيفة ضد المتآمرين من الشيوعيين وفلول مراكز القوى، حتى لا يتكرر ما حدث، معلنا أنه سيلجأ للحديد والنار وأنه يريد أن يتحدث بذلك وبصراحة للناس على شاشة التلفزيون، وأن يصدر قوانين رادعة لم يسبق لها مثيل. وقال له «بهاء» إنه لمس منذ وصوله إلى القاهرة أن الناس سعيدة بأنها نجحت في إجبار الحكومة على إلغاء قرارات رفع الأسعار، وأن عليه أن يعترف بأن هذه القرارات، والطريقة المباغتة التي أعلنت بها كانت خطأ سياسيا واقتصاديا كبيرا وأن الحكومة التي اتخذتها - تطبيقا لضغوط صندوق النقد الدولي - لا تعرف الأوضاع الاقتصادية التي يعيش فيها الفقراء ومحدودو الدخل في البلد، وأنه هو شخصيا لم يمسه من الأزمة شيء مباشر، باستثناء المظاهرات والهتافات، التي محا أثرها بقراره الشخصي بالاستجابة لمطلب الجماهير بإلغاء قرار رفع الأسعار!. واقترح «بهاء» على الرئيس بأن يتبع الأسلوب الذي اتبعه «ديجول» حين جرت مظاهرات باريس الدامية، بسبب سياساته فتصرف على أساس أنه غير مسؤول عن السياسة التي أدت إلى هذه المظاهرات، ووضع فأس المسؤولية عنها في عنق حكومته التي استقالت وجاء رئيس وزراء آخر لتنفيس الأزمة وإراحة الرأي العام. كان اقتراح «بهاء» يعني باختصار أن يبحث الرئيس «السادات» عن «كبش فداء» يحمله المسؤولية نيابة عنه، وكان منطقه - كما قال للرئيس- إن هذه حيلة سياسية مشروعة تلجأ إليها كثير من الدول، حتى لا تؤدي الأزمات العابرة إلى هز مركز رأس الدولة، وأن على «السادات» أن يتخذ من رئيس الوزراء ممدوح سالم كبش فداء، وأن يعين رئيسا جديدا للوزراء، يتبع سياسات تضع في اعتبارها الفقراء ومحدودي الدخل من المصريين. وبعد اثنتي عشرة ساعة من المناقشات لم يقتنع «السادات» بالفكرة، وأصر على أن يتبع سياسة الحديد والنار، بدلا من سياسة البحث عن كبش فداء.. فأعفى «بهاء» من كتابة الخطاب، وألقاه في 4 فبراير 1977 وحفل بتشكيلة نادرة من العقوبات تصل إلى حد الاشغال الشاقة المؤبدة لمن يتظاهر أو يضرب عن العمل أو يحرض على ذلك! وكانت هذه السياسة هي التي انتهت بالسادات إلى المصير الذي انتهى إليه! والسؤال الآن: لماذا أصرت جماعة الإخوان المسلمين على بقاء الرئيس مرسي في الحكم، وعارضت مطلب إجراء استفتاء شعبي على إجراء انتخابات سياسية مبكرة، كان يمكن لها خلالها أن ترشح شخصا آخر يكون أكثر قبولا لدى الشعب، مما كان الرئيس «محمد مرسي»؟ أليس ذلك حلا معقولا يجنبها المسؤولية عن الفشل الذريع الذي أسفرت عنه سياساته.. بدلا من إصرارها على رفض مطلب الجماهير، الذي انتهى بخروج الطرفين - الرئيس والجماعة - من الساحة السياسية؟ ألم يكن الأفضل للجماعة أن تحول الرئيس إلى «كبش فداء» لتحافظ على جانب من جماهيريتها، بدلاً من أن يطيح الإعصار بالطرفين؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحته على صديقي.. الذي قال لي: احمد ربك انهم لم يفكروا بهذه الطريقة ولم يملكوا هذا الذكاء السياسي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها