النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

الدرس المصري.. لعبة اصطراع الشرعيات

رابط مختصر
العدد 8869 الإثنين 22 يوليو 2013 الموافق 13 رمضان 1434

ما حدث في مصر كان متوقعا وكان على مدى زمني أبعد من التوقيت الذي حصل فيه، ولكن حدوثه بهذه السرعة الدراماتيكية لم يكن متوقعا، فما الذي عجل بسقوط الرئيس مرسي بهذه السرعة؟ هنالك عدة عوامل عديدة تم رصدها ومعاينتها في العديد من الدراسات والمقاربات السياسية والاجتماعية، إلا أن ما يمكن أن تفسر هذا السقوط المطوي والسريع في تقديري يعود إلى: - الأول: تعامل حزب الحرية والعدالة، ومن ورائه جماعة الإخوان، مع هذه المرحلة الانتقالية الحرجة التي تمر بها مصر وكأنها مرحلة عادية، ولذلك تم التركيز خلالها على ما يسمونه بالشرعية الانتخابية (الحزبية)، اي شرعية صناديق الاقتراع التي تعطي للفائز تفويضا واسعا لإدارة شؤون البلاد وفقا لبرنامجه السياسي، وفي هذا السياق تم الاستئثار بالسلطة وبشكل لافت، وعدم الحرص على إشراك جدي ومتوازن لبقية القوى المشاركة في الثورة المصرية، والمسارعة إلى ما يسميه قسم كبير من المصريين بـ»أخونة الدولة»، بشكل مستفز وعجول ومثير لمخاوف العديد من مكنونات المجتمع السياسي، حيث كان هنالك ما يشبه التكالب على السلطة وعلى إحكام القبضة على مؤسسات الدولة والمجتمع بسرعة فائقة، ولذلك كانت إدارة المرحلة الانتقالية مرتبكة وغير ناجعة.. ومخيبة لآمال الملايين من المصريين. - الثاني: سوء تقدير معادلات الواقع المصري وتوازناته السياسية والاجتماعية، حيث اعتقد الحكام الجدد ان الانتخابات قد أعطتهم مفاتيح الحكم بالمطلق، وضمانا للبقاء في السلطة لفترة طويلة، وان بقية القوى السياسية «ليست سوى جماعات غوغائية» او فقاقيع صوتية، سينتهي بها الأمر إلى التسليم بواقع ميزان القوى القائم على الأرض الذي خلقته شرعية الانتخابات، وغيبت هذه القراءة السطحية والمتسرعة عدة عناصر مهمة في المعادلة المصرية، او ما يمكن تسميته بالكتلة التاريخية المصرية الضخمة والتي اجتمعت في 30 يونيو على نحو غير مسبوق في تاريخ مصر على ضرورة طي الصفحة، وفي مقدمة هذه القوى المؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية والمؤسسة الإعلامية، والقوى الشبابية وملايين المصريين المهمشين المصابين بخيبة الأمل جراء فشل السلطة في معالجة أي ملف من الملفات الحيوية المعيشية والأمنية... -الثالث: أن الرئيس مرسي كان في الحقيقة رئيسا معلقا في السماء بدون مؤسسات للدولة مكتملة يتكئ عليها وتسنده على نحو عميق، حيث كان يكتفي بالاستناد إلى التفويض الانتخابي فقط، واعتباره «الشرعية» المطلقة، في حين أن العالم كله يعلم انه لا وجود إلى تفويض كامل ولا شرعية مطلقة، حتى في البلدان الديمقراطية، فالانقلاب على البرنامج او الأسس التي أجمع عليها الناس يتسبب في اهتزاز هذه الشرعية وتقليص التفويض الممنوح له، وكان واضحا ان الرئيس يتجه بشكل واضح وحثيث إلى إعادة إنتاج الاستبداد من جديد وإن بصورة أخرى، فانقلب على الشعب الذي أنجز ثورة من اجل تحقيق أهداف محددة، فإذا بالرئيس يعمل على تحقيق أهداف أخرى هي في الحقيقة أهداف «الجماعة»، دون الأخذ بعين الاعتبار أن مصر تمر بمرحلة انتقالية تحتاج فيها الى جهد وطني جماعي توافقي.. - الرابع: العجز الواضح عن إدارة شؤون الدولة وشؤون الناس اليومية خاصة على صعيد حل المشكلات المعيشية للمواطن البسيط، والعجز عن حل او الحد من المشكلات الأمنية، فإذا كانت شؤون المعاش تتدهور وشؤون الأمن تتدهور بشكل يومي، وإذا كانت سلطة الدولة ترتخي، فإنه من الطبيعي ان يسحب الناخبون تفويضهم الانتخابي.. لقد تم باختصار تغليب الأيديولوجيا على الواقع، والتسلط على حاجات الناس، والشعارات على الانجازات، والغرور على التواضع، فكانت هذه الثورة المصرية الجديدة نتيجة طبيعية- وان كانت غير متوقعة في هذا التوقيت وبهذه السرعة الفائقة- لمسار خاطئ، اختارته «الجماعة» بنوع من سوق التقدير، مسار يجمع بين ضعف الكفاءة في مجال الإدارة السياسية، وسوء التقدير السياسي لقوة الآخرين، حيث أخطأت «الجماعة» عندما قررت الاستفراد بالسلطة (بعكس التيار الإسلامي في تونس الذي فضل الشراكة مع قوى ليبرالية ويسارية في إدارة شؤون الدولة في المرحلة الانتقالية)، هذا بالإضافة إلى انقلاب الجماعة على وعودها التي سبق أن أطلقتها، قبل الانتخابات وبعدها، حيث تصرفت هذه القوة وكأنما الذي حدث في مصر هو ثورة إسلامية، مع أنها تعلم علم اليقين أن الثورة المصرية في 25 يناير كانت في الأساس ثورة مدنية، ولم تكن إسلامية بالأساس، وكانت مشتركة، ولم تكن لفصيل واحد، بل الأخطر من ذلك كله، أن الجماعة قد تجاهلت حقيقة ثابتةـ وهي ان الجيش في مصر ليس بوسعه إلا الانحياز إلى الشعب بملايينه المشاهدة بالعيان، لتفادي انهيار الدولة وتفككها- إلا أن الرئيس مرسي والجماعة تجاهلا حجم الحدث المصري ومغزاه ودلالته الخطيرة، معتقدين أن الشرعية لوحدها كافية لتحصين الحكم من الهزة. ومن الواضح اليوم ان هناك تغيرا كبيرا في مصر في موقع ودور الإسلام السياسي (على رغم من تنوع مواقفه) بعد هذه التجربة القصيرة والفاشلة، بما يعني أن الرقم «الاسلامي» ينضاف إلى معادلة الفشل العربي المزمن، بعد فشل تجارب العسكر والاشتراكيين والقوميين، لتستمر المنطقة العربية منطقة زوابع مزمنة... إلا أنه وبالرغم مما حدث، فإن تيار «الإخوان المسلمين» سيبقى تياراً فاعلاً وقويا في الحياة السياسية والاجتماعية المصرية، ولكن سيكون لزاماً عليه القيام بمراجعات شاملة للوضع السياسي والفكري الذي جعله يفقد نسبة كبيرة من الحضن الشعبي الذي قدم له الحماية والدعم ثم انفرط من حوله..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها