النسخة الورقية
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

البحرين إلى أين؟

رابط مختصر
العدد 8868 الأحد 21 يوليو 2013 الموافق 12 رمضان 1434

خلال الأيام القليلة الماضية شهدت البحرين تصعيدا ملحوظا في الاضطراب الأمني الذي تعيشه منذ ما يزيد على العامين، تجسد في انفجار سيارة مفخخة بواسطة أسطوانة غاز في موقف أحد المساجد بمدينة الرفاع. وتحاشيا لأي تشويش يمكن أن يمس عمليات تعقب الجناة والكشف عنهم، وهي من المسؤوليات المباشرة التي ستختص بها الجهات الأمنية المعنية، التي تعكف على اقتفاء آثار الجناة من أجل مثولهم أمام العدالة، ينبغي أن نضع جانبا البعد الأمني لتلك العملية التي لا يملك أحد إلا أن يستنكرها ويدين القوى التي تقف وراءها، ونركز عوضا عن ذلك على الشقين السياسي والاقتصادي المرتبطين بها، واللذين ستتمخض عنهما تداعياتها. ليس ذلك تقليلا من خطورة البعد الأمني، وإنما لكون هذين الإثنين الأكثر حضورا، ومن ثم تأثيرا على مستقبل البحرين في مشروعاتها الإصلاحية الداخلية الطموحة من جانب، وعلاقاتها الخارجية من جانب آخر. على الجانب السياسي، وبغض النظر عن نوايا من يقف وراء تلك العملية الإرهابية، ستنعكس الظلال القاتمة لهذه العملية على الدوائر التالية: أول تلك الدوائر هي صفوف الأطراف المعتدلة في الشارع السياسي البحريني، التي ستشعل تلك العملية الحريق في سفن جميع مشروعات تلك الأطراف، وهي التي لم تكف، ومنذ اندلاع الأزمة، عن البحث عن مخارج، والتفتيش عن حلول، يمكنها وقف مسلسل العنف، واستبداله ببرامج توفيقية وسطية من شأنها، لو قدر لها النجاح، أن تنتشل البحرين من أزمتها الخانقة، وتضعها على الطريق السلمي الآمن الذي يقودها إلى حل سياسي يعيد للبلاد الاستقرار والأمن الذين تفتش عنهما، والذي لا يمكن أن يجد له مكانا في ظل تصاعد المواجهات في اتجاه عنيف، توج بحادث انفجار السيارة المفخخة التي وأدت شظاياها تلك المشاريع السياسية الوسطية، ومن الطبيعي أن تمهد الطريق لتلك الأمنية المتطرفة. ثاني تلك الدوائر، هي دائرة الإجراءات الإصلاحية، فمن الطبيعي أن توقف تلك العملية أية إجراءات، ناهيك عن برنامج إصلاحي، بما فيها تلك البرامج السريعة القصيرة المدى. إذ يصعب الترويج لمثل تلك البرامج، او حتى مجرد الحديث عنها، وسط أجواء مشحونة بالحقد، وتحت ظلال سماء ملبدة غيومها بالاتهامات المتبادلة، وفي فترات الاحتقانات القائمة على الشك وفقدان الثقة بين الأطراف كافة، كالتي تمر بها البحرين. فأول ما تبحث عنه تلك البرامج هو استتباب الأمن وسيادة الهدوء، وأول عناصر نجاحها، هو الثقة المتبادلة بين الأطراف. وأي من هذه الشروط لم يعد متوفرا بعد ذلك التصعيد الملموس في أشكال المواجهة التي وصل أقصاه، وربما يتعدى ذلك في الأيام القليلة القادمة، في انفجار السيارة المفخخة. ثالث تلك الدوائر، هي طاولة الحوار المفترض أن تستأنف جلساته بعد انقضاء شهر رمضان المبارك. فبعد هذا التصعيد النوعي في المواجهات، لم يعد لهذه الطاولة مكانا تقام عليه. فأول شروط نجاح أي حوار هو توفير بيئة من الثقة بين الأطراف المتحاورة، وهو ما صادرته تلك العملية. فإذا كان المقصود من الحوار، هو استبدال لغة العنف بخطابات السلم، فقد محت هذه العملية الجبانة مفردات التوافق الوطني التي يمكن أن يستخدمها أعضاء أي من الفرق الذين سيتحلقون في نهاية شهر أغسطس القادم حول تلك الطاولة. فنجاح أي حوار رهن بصلابة الأرضية التي يقف فوقها المتحاورون، وهي التي هزتها من الجذور تلك العملية، ومن ثم فقد الحوار أول متطلبات نجاحه. هذا على الصعيد السياسي، أما على الصعيد الاقتصادي، فمن المتوقع أن تتصاعد في الاقتصاد البحريني، بعد هذه العملية، التي لا ينبغي السكوت عليها، ظاهرتان اقتصاديتان في اتجاهين متوازيين، لكنهما متزامنان ومتكاملان. الاتجاه الأول، وهو الأشد خطورة، مصدره الشلل الذي سيوقف حركة رؤوس الأموال المحلية ويحول دون دخولها طرفا في أية مشروعات وطنية جادة يمكنها أن تولد فرص عمل جديدة تساهم في لجم نسب البطالة المتصاعدة. ما هو أسوأ على صعيد حركة رؤوس الأموال هذه، هو بحثها عن حلول مؤقتة تسعى لتحقيق مردود ربحي سريع، فتبادر إلى الهروب إلى الخارج لهثا وراء فرص أفضل للاستثمار، وخاصة في الدول العربية المجاورة الباحثة عن رساميل تفتش عن مشروعات استثمارية، قد لا تكون عوائدها مجزية، لكنها أفضل من الخمول الداخلي الذي من شأنه تعريض تلك الرساميل للتآكل من الداخل. كل ذلك يؤدي، إلى استفحال ظاهرة البطالة أولا، وازدهار المشروعات الاقتصادية الطفيلية ذات المردود السريع، لكنه غير المنتج بالمعنى الاستثماري ثانيا، وتراجع الاقتصاد المنتج، وخواء حقائب المشروعات الاقتصادية المحلية ثالثا. الاتجاه الثاني، وهو لا يقل خطورة عن الأول، بل ربما يتجاوزه على المستوى البعيد، هو تراجع سرعة، وعلى نحو مواز تقزم حجم، تدفق الرأسمال الخارجي المباشر، وعزوف الاستثمارات الخارجية عن التوجه نحو البحرين، واختيارها أسواقا أخرى في المنطقة. هذا يعني تدوير راس المال المتواجد، والآخذ في التقلص، في حلقات أفقية تخلق أرباحا وهمية، لكونها غير قادرة على خلق عناصر الجذب المطلوبة التي بوسعها توفير مقومات النمو العمودي لتلك الاستثمارات. هذا من شأنه، في حال استمراره، بالإضافة إلى ما تقدم، توليد تضخم غير طبيعي، تتصاعد نسبه، ويضعف أداء الاقتصاد الوطني بشكل موضوعي، وفي اتجاه تصاعدي مع مرور الزمن، وطول أمد الأزمة. هل دارت بخلد من يقف وراء تلك العملية كل هذه التداعيات، وهو يعد، ومن ورائه من تولى تنفيذ تلك العملية، التي قد تشفي الغليل، لكنها لا تحل المشكلة، وبالتالي ترفع علامة استفهام غاضبة تتحدى الجميع: البحرين إلى أين؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها