النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

مـــأســــاة منصــــور فهمـــــي

رابط مختصر
العدد 8866 الجمعة 19 يوليو 2013 الموافق 10 رمضان 1434

هذا كتاب ظللت انتظر صدوره لما يزيد على شهرين منذ سمعت أنه دخل مطبعة «دار الكتب المصرية»، ولعل النسخة التي وصلتني منه، كانت واحدة من أوائل النسخ التي خرجت من المطبعة، والكتاب يحمل عنوان: «تراث منصور فهمي/ 1886-1959»، أعده وجمع مادته ابنه «شداد منصور فهمي» وقدم له أستاذ الفلسفة «د.مصطفي لبيب عبدالغني»! ولابد أن كثيرين سيتساءلون في دهشة: من هو «منصور فهمي» هذا الذي تعنى دار الكتب المصرية -بجلالة قدرها-، بنشر تراثه في كتاب من ألف صفحة من القطع الكبير، بعد أكثر من نصف قرن على وفاته، وستتحول دهشتهم إلى ما يشبه الذهول، عندما يكتشفون أن هذا التراث هو مجموعة من المقالات الصحفية نشرها صاحبها على صفحات جريدة «الأهرام». و«منصور فهمي» هو أشهر المنسيين في تاريخ الفكر العربي في القرن العشرين، وكان مقدرا لاسمه أن يلمع كالشهاب بين جيل الربع الأول من ذلك القرن، ومنهم طه حسين و«سلامة موسى» و«علي عبدالرازق» و«عباس محمود العقاد» و«محمد حسين هيكل باشا».. لولا أن الرياح اتت بما لا يشتهي السفن. في الثانية والعشرين من عمره، كان طالبا في مدرسة الحقوق الخديوية، حين تأثر بأعلام الثقافة العربية العصرية آنذاك، ومنهم الإمام «محمد عبده» و«لطفي السيد» و«قاسم أمين»، ونشر مجموعة من المقالات الفلسفية، لفتت أنظار عالم الآثار المصرية «ماسبيرو»، فأشار على المسؤولين في الجامعة المصرية التي كانت وليدة آنذاك، بأن تضمه إلى طلابها، ليتحول من دراسة القانون، إلى دراسة الفلسفة، وأن ترسله على نفقتها في بعثة إلى «جامعة السوربون» ليدرس هناك على يد «ليفي برول» أحد أقطاب المدرسة الاجتماعية الفرنسية.. وبعد خمس سنوات - وفي عام 1913- حصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة عن أطروحه بعنوان «حال المرأة في التقاليد الإسلامية»، صدرت في العام نفسه في كتاب بالعنوان نفسه. وبعد شهور من صدور الكتاب وشى به أحد زملائه، فبدأت الصحف المصرية تنشر مقالات تشير إلى أن الرسالة، تنطوي على فقرات تسيء إلى الدين الإسلامي وإلى شخص الرسول «صلى الله عليه وسلم»، فقامت الدنيا ولم تقعد وتتالت المقالات، التي لم تقتصر على تفنيد معلومات خاطئة وردت في الرسالة، بشأن موقف الإسلام من المرأة، بل وهاجمت كذلك الجامعة المصرية التي ترسل طلابها إلى أوروبا، لدراسة الفلسفة وهي علم كان الشائع آنذاك، أن دراسته حرام، لأنها تهز إيمان الذي يدرسها، بل وتعتمد الشهادات التي يحصل عليها هؤلاء الطلاب وفيها ما يستهين بالعقائد الدينية، ولأن الجامعة كانت ناشئة آنذاك، وكانت أهلية تعتمد في تمويلها على تبرعات المتبرعين، فقد قررت أن تسد الباب الذي يأتي منه الريح، ففصلت «منصور فهمي» وتبرأت من كتابه.. وقررت أن تكون طرفا ثالثا يراجع الأطروحات التي يقدمها طلاب البعثات لتطمئن إلى أنها تخلو من الشطط. وكان «طه حسين» قد ترك الدراسة في الأزهر، بعد أن تحالف شيوخه ضده، بسبب ما كان يوجهه إليهم من انتقادات على صفحات الصحف، وتعمدوا إسقاطه في امتحان الحصول على الشهادة العالمية، والتحق بالجامعة المصرية، فاستدعاه رئيس الجامعة، وسأله عن رأيه في رسالة منصور فهمي فأدرك أن إدارة الجامعة تريد منه أن يصدر باعتباره أزهريا سابقا فتوى بتكفير زميله، فقال لرئيس الجامعة في رد حاسم: كنت أحسبني في الجامعة، حيث لا يسأل المرء عن رأيه.. فإذا بي في الأزهر لا أسأل عن رأيي فقط.. بل أسأل كذلك عن رأي غيري!. واعتزل «منصور فهمي» الناس وسافر إلى الريف ليشرف على زراعة أرضه، وبعد عام عاد إلى القاهرة ليلتحق بوظائف أخرى، ولم يعد إلى الجامعة إلا بعد خمسة أعوام كانت ثورة 1919 قد نشبت خلالها، وأصبح المناخ الفكري في مصر أكثر رحابة، وظل يترقى في مناصب الجامعة التي تحولت لجامعة حكومية حتى أصبح أستاذا للفلسفة ثم وكيلا لكلية الآداب فعميدا لها ثم رئيسا لجامعة الإسكندرية، ووكيلا للمجمع اللغوي. وفي الحادية عشرة والنصف من صباح يوم 17 مارس 1952، وكان قد تجاوز الثالثة والسبعين من عمره، غادر منزله إلى مكتبه في مجمع اللغة العربية، وما كادت السيارة تتوقف أمام باب المجمع، حتى قال له السائق: اتفضل باشا.. ولكنه لم يتلق إجابة.. وكرر نداءه.. فلم يتحرك.. واكتشف السائق أن الباشا غادر الدنيا. ولم يترك «منصور فهمي» سوى كتابا جمع فيه مختارات من مقالاته التي بدأ ينشرها على صفحات «الأهرام»، بين عامي 1915 و1930 بعنوان «خطرات نفس»، وكتاب صغير عن «الآنسة ميّ» وترجمه لبعض أشعار «جوته» وكتاب «أبحاث وخطرات» وبعض محاضراته عن «رائدات النهضة النسائية في مصر»، وذهب بعض الذين أرخوا لسيرته إلى القول بأن صدمة اتهامه في دينه قد أصابته بحالة قريبة من الاكتئاب عطلت مسيرته الفكرية، بينما رأى آخرون أنه فضل أن يكون لـ «سقراط» وأن يؤلف تلاميذ بدلا من أن يؤلف كتبا، وأن الفضل يعود إليه في تأسيس المدرسة الأكاديمية العربية في دراسة الفلسفة التي تولى تدريسها في الجامعة لسنوات طويلة لآلاف الطلاب الذين لمع منهم كثيرون، ألف منهم عشرات الكتب التي عزف منصور فهمي عن تأليفها. لكنه كان رائدا من رواد تعليم الفلسفة لآلاف من الطلبة، لمع من بينهم كثيرون، شاركوا فيما بعد بتأسيس المدرسة الفلسفية المصرية. وكان من بين هؤلاء التلاميذ «نجيب محفوظ» الذي درس الفلسفة على يديه في بداية الثلاثينيات والذي كتب عن «منصور فهمي» فصلا في روايته «المرايا» ركز فيه على الآثار السلبية التي تركتها عاصفة اتهامه في دينه على شخصيته، وهي آثار يستطيع القارئ، أن يتبين إذا كانت سلبية أم لم تكن حين يقرأ هذا الكتاب الذي يضم ما نشره منصور فهمي من مقالات صحفية، ولم يجمعه في كتب، كما يضم كل ما كتب عنه ومن بينها مقالات تؤكد أنه تعرض لظلم بين بسبب ضيق الأفق العام الذي كان سائدا آنذاك وبسبب عبارات دفعها إليه جموح الشباب، عطلت مسيرته الفكرية، وحرمته من المكانة التي كان يستحقها كأحد رواد الفكر العربي الحديث!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها