النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

خليل عقاب.. قويترين مرد دنيا

رابط مختصر
العدد 8866 الجمعة 19 يوليو 2013 الموافق 10 رمضان 1434

في زمن مضى من عمرنا كان من مظاهر الاحتفال بالأعياد والمناسبات الوطنية هو جلب فرق السيرك والبهلوانات واستعراضات القوة إلى البحرين لتقديم عروضهم للكبار والصغار. فكانت تلك مناسبة للفرح والسعادة ورؤية أشياء لم نعتدها في مجتمعاتنا، وعلى رأسها البطل الخارق الذي يسحب الشاحنات بفكه أو بشعر رأسه، أو يرفع حمارا ضخما من الأرض ويحمله على كتفيه، أو يترك قافلة من الحافلات الثقيلة تسير فوق بطنه وساقيه، أو يدع أحدهم يكسر صخرة ضخمة فوق صدره أو رأسه بالمطارق والفؤوس، أو يقوم هو نفسه بثني قضيب حديدي حول ذراعه بيده العارية. مثل هذا النوع من الرياضات الفردية المعتمدة على القوة العضلية والجسمانية له شعبية كبيرة في بلدان آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية والقوقاز وتركيا وافغانستان، إضافة إلى إيران التي برز فيها عدد من الأسماء معظمهم من مدينة كرمنشاه من أمثال علي آقا جاویدان، وعلي أصغر شیر، وحمید غــُل داوودي، وحسین غاو کش، و حسین غلزار، لكنه لم يكن معروفا في البحرين حتى اوائل خمسينات القرن الماضي. بعد ذلك، وتحديدا منذ عام 1953 ، عرف البحرينيون عروض السيرك والألعاب البهلوانية من خلال الرباع الإيراني الأشهر «خليل عقاب» الشهير بـ «قويترين مرد دنيا» أي «أقوى رجل في العالم» والذي جاء إلى البحرين مرتين. زيارته الأولى كانت بدعوة وترتيب من رجل الأعمال البحريني من ذوي الأصول الفارسية «رضا قصير» الذي أراد أن يرفه عن الجمهور في الأعياد بطريقة غير تقليدية، أي بعيدا عن مباريات كرة القدم، والحفلات الغنائية الدارجة، وسباقات الدراجات والخيول، فتفتق ذهنه عن جلب فرق السيرك بأبطالها ونجومها من بلاد فارس الأقرب جغرافيا إلى البحرين. غير أن المصادر التاريخية لا تؤكد ان تلك الفرق أحضرت معها حيواناتها المفترسة إلى البحرين، على الرغم من وجود تلك الحيوانات في استعراضاتها الأكروباتية داخل ايران (ربما لصعوبة نقلها بحرا أو خوفا عليها من المرض أثناء الرحلة) بدليل أن عددا قديما لا زلت أحتفظ به من صحيفة «هندوستان تايمز» الهندية أفرد في صفحته الأولى خبر وصول خليل عقاب إلى الهند من أجل شراء عدد من الأسود والنمور والأفيال والدببة وشحنها بحرا إلى إيران لاستخدامها في ألعابه البهلوانية الخطيرة. وهكذا وصل خليل عقاب إلى البحرين للمرة الأولى في عام 1953، وقدم عروضه البهلوانية الأولى على صالة مدرسة الإمام علي بن أبي طالب الذي كانت قائمة في الموقع الحالي لمحلات «لاست تشانص» في منطقة المخارقة بالمنامة، وكرر تقديم عروضه في قلب منطقة «رأس رمان» وتحديدا في بيت فاروق الشهير الذي كان قصرا رائعا وجميلا وتحفة معمارية فريدة. كما احتفى نادي الفردوسي بالمنامة، وهو النادي الذي أسسه «عبدالكريم خوشابي» في المنامة في عام 1946 قبل أن يندمج مع أندية التاج والشعاع وأوال ليشكلوا معا نادي المنامة الحالي، بالرباع خليل عقاب في حفل بهيج. وهناك صورة فوتوغرافية باللونين الأبيض والأسود تؤرخ لهذه المناسبة، ويبدو فيها خليل عقاب ببدلة أنيقة وقميصا مقلما – بدلا من جلد النمر الذي كان يغطي به جسده جزئيا أثناء تقديم عروضه – محاطا بالعديد من المسئولين والإداريين من نادي الفردوسي من أمثال اسماعيل غـُل كازروني، وميرزا حسين خوشابي، وآغا بوشهري، وحاجي كناري، وعلي بدر، وعاشور ميناهي، ورضي تقوي، ومحمد صالح التاجر، وعلي دشتي، وإسماعيل عزت، وعبدالكريم ديلمي، وعبدي بوشهري، وأحمد أميري، وغلوم عباس شرف، وعبدالكريم خوشابي، وعبدالحميد النجار، وحاجي بهمن بور، ويوسف نعمت، وعيسى فتاحي، وعلمدار كلبعلي، إضافة إلى بعض طلبة مدرسة «اتحاد ملي» (مدرسة اتحادية ايرانيان وإصلاح سابقا) وغيرها من مدارس البحرين من أمثال جمشيد ميرزا حسين توراني، وعبدالرحمن ديلمي، ورسول محمد بوشهري، وبهمن دشتي، وإسحاق بشكردي، وعالي علي عالي، وعبدوكي. ولما كان الإقبال على مثل هذه العروض البهلوانية شديدا والعملية مربحة فإن نادي العروبة بالمنامة قرر في عام 1953 أن يستضيف بهلوانا إيرانيا آخر هو الرباع «محمود هاديان» والذي حققت عروضه للنادي أرباحا بلغت نحو 6620 روبية بدليل الرسالة التي أرسلها رئيس النادي وقتذاك الأستاذ «محمد دويغر» إلى الحكومة، مرفقا بها مبلغ ستمائة وإثنين وستين روبية وثمان آنات، وهو عبارة عن نسبة العشرة بالمائة التي تم تخصيصها لمساعدة الحكومة في مكافحة مرض السل. وعلى منوال نادي العروبة قدم نادي البحرين بالمحرق في مارس 1955 طلبا إلى البلدية للحصول على ترخيص يتيح له استقدام البهلوان الإيراني «جلال محمد علي» لتقديم عروضه في المحرق حصريا بموجب اتفاق بين النادي والبهلوان كان من ضمن شروطه أن يحصل نادي البحرين على 50 بالمائة من الدخل المتحقق من وراء بيع التذاكر للجمهور، فيما تذهب نسبة 37.5 بالمائة إلى البهلوان وفريقه، وتخصيص نسبة 12.5 بالمائة من عوائد العرض لمشروع محو الأمية. ومما تضمنته هذه الاتفاقية، التي كتبت باللغتين العربية والانجليزية على أوراق رسمية تحمل اسم حكومة البحرين وقيمتها آنتان، أنه إذا ما حصل ضرر جسماني للبهلوان - أو أحد أعضاء فريقه - أثناء العروض فإن المسئولية بالكامل تقع عليه وحده أي دون أن يتحمل النادي أي عبء مادي. وهناك وثائق اطلعت عليها شخصيا في نادي البحرين تفيد بأن النادي كرر المحاولة مرة أخرى قبيل منتصف الستينات، لكن هذه المرة مع البهلوان الأشهر خليل عقاب لتقديم عروضه القوية على ستاد نادي المحرق القريب من نادي البحرين، فحضر خليل عقاب بالفعل في زيارة ثانية وأخيرة إلى البحرين وقدم خلالها ألعابا بهلوانية ساحرة بحضور لفيف من الجمهور يتقدمهم كبار المسئولين في الدولة من العائلة الحاكمة والوجهاء والتجار والأعيان وكما حدث في حالة استضافة البهلوان «جلال محمد علي»، فإن النادي التزم بدفع نسبة مئوية من إيرادات العروض للحكومة لإنفاقها على الفقراء والأيتام والمدارس الأهلية ومشاريع محو الأمية، أو مكافحة الأمراض المعدية، الأمر الذي يؤكد تمتع الجيل القديم بالحس الوطني والتزامه بمعاونة الدولة في مشاريعها الخدمية. ويقال انه في كل الحالات السابقة التي استضافت فيها شخصيات او اندية بحرينية رباعين من ايران قام المضيفون باستغلال نفوذهم لدى السلطات للسماح لهم بتجاوز قانون كان قد صدر في عام 1929 ويقضي بمنع حملة الوثائق الايرانية من دخول البحرين، وذلك ردا على المزاعم الايرانية الباطلة بالسيادة على كامل ترابنا الوطني. وتقول السيرة الذاتية لخليل عقاب أنه ولد في عام 1924 في مدينة شيراز. وخلال سنوات صباه كان مولعا بالرياضة والالعاب الرياضية التي قادته في مرحلة عمرية لاحقة إلى الاشتراك في عروض القوة الجسمانية مع البهلوانات والرباعيين الايرانيين المعروفين. ومن بعد أن حقق شهرة وسمعة طيبة أسس لنفسه فرقة بهلوانية خاصة، وراح يقدم عروضا مختلفة عن عروض رفاقه المعاصرين، حيث أدخل عليها الموسيقى والالعاب الاكروباتية (مثل القفز وسط النيران والسير على الحبال). كما أنه يعتبر البهلوان الايراني الأول الذي جاء بالاسود والنمور والدببة والافيال من الهند لترويضها واستخدامها في عروضه. وخلال عقد الستينات كانت شوارع طهران وملاعبها الرياضية، وتحديدا ستاد أمجديه، تزدحم بعشرات الآلاف من الرجال والنساء لمشاهدة عروضه الساحرة، الأمر الذي دفع العديد من مخرجي ومنتجي الأفلام السينمائية في تلك الحقبة إلى الاستعانة به في أفلامهم ترويجا لها. وهكذا ظهر خليل عقاب في نحو 21 فيلما، إضافة إلى العديد من البرامج التلفزيونية. ومن بعد ان جال خليل عقاب مع فرقته في مختلف المدن والمحافظات الايرانية، وحصل على جوائز وشهادات تقديرية، بدأ مرحلة الانطلاق نحو العالمية بسفره في عام 1970 إلى اليابان، قبل أن يقرر الهجرة في العام التالي إلى إيرلندا فإنجلترا، ليعيش بعدها عشرين عاما متنقلا ما بين دول أوروبا وأفريقيا وأمريكا الوسطى، ومقدما في كل منها عروضه الخارقة. وفي نهاية هذا المشوار الطويل استقر في ايطاليا واسس فيها ما اطلق عليه «السيرك الايراني – الايطالي» والذي جاب به تركيا وبلغاريا والبرتغال ورومانيا وغيرها من الدول الاوروبية، وحطم من خلالها ارقاما قياسية في حمل الاثقال مثل رفعه لفيل يزن 1400 كيلوغرام بواسطة قدمه، ورفعه لاثقال تزن 450 كيلوغراما بواسطة اسنانه. لم يصدر عن خليل عقاب خلال سنوات غربته الطويلة ما يفيد معارضته لنظام بلاده الحالي، لكن قراره بعدم العودة إلى معشوقته ومسقط راسه (شيراز) طيلة السنوات الماضية منذ الاطاحة بالشاه وحتى عام 1991 (حينما تلقى دعوة رسمية للحضور مع فرقته لتقديم عروض أمام مواطنيه، فجال في عدة مدن مع بهلوانات من إيطاليا ورومانيا والبرتغال، ثم غادر إيران فورا إلى مكان إقامته في إيطاليا) يستشف منه موقف متحفظ من نظام بلاده الفقهي الذي سرق الفرح والبهجة من عيون الايرانيين. يعيش خليل عقاب حاليا في إيطاليا كما أسلفنا، بعد أن نال الزمن من شبابه وحيويته ولم يبق له سوى ذكريات غابرة في عالم السيرك وكمال الاجسام. لكنه لايزال يدير من هناك مؤسسة سيرك ضخمة تستقطب كل الايرانيين البارعين في هذا المجال ممن يسعون إلى حياة أفضل خارج وطنهم المنكوب بأعداء الفرح. كما أن له موقع إلكتروني يتواصل من خلاله بمحبيه الكثر داخل إيران وخارجها. ومن الأمور الذي قد لا يعرفها الكثيرون أن ابني خليل عقاب، شهرزاد وإبراهيم، سارا على درب والدهما فامتهنا ألعاب السيرك والقوة الجسمانية، وأحدهما (إبراهيم) يدير اليوم سيركا خاصا به في أوروبا بمعاونة بعض مواطنيه في المنفى.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها