النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

للتغيير ثمن باهظ

رابط مختصر
العدد 8865 الخميس 18 يوليو 2013 الموافق 9 رمضان 1434

منذ هبوب رياح ما أصبح يعرف باسم «الربيع العربي» على البلاد العربية، سادت المنتديات الفكرية التي تتابع تطوراتها نقاشات ساخنة استهجن معظمها الأعمال الوحشية التي رافقتها، واستغرب البعض منها مظاهر العنف اللاإنساني، وغير المبرر، التي رافقتها وسيطرت، بالتالي، على سلوك القوى المنخرطة فيها. في البدء ينبغي التأكيد على قضية أساسية، وهي أن مظاهر العنف اللاإنساني التي عرفتها مجتمعات عربية وخاصة في مصر وسوريا، فاقت الكثير من التوقعات، إذ تشير أرقام «كشفت عنها إحصائية للشبكة السورية لحقوق الإنسان في (15 مايو 2013) أن نحو 82 ألف أسرة سورية بلا رجل يعيلها، و2300 أسرة من دون أم، و84 ألف أسرة فقدت أحد أبنائها... وإن أعداد الضحايا السوريين تجاوز حاجز الـ 84 ألف مواطن، منهم 89% من المدنيين... وأن عدد الضحايا من النساء بلغ 7543، بينهن أكثر من 1800 أم». وفي مصر، وفي مرحلة الانتفاضة على حكم مبارك، قدر وزير الصحة المصري أحمد سامح فريد في 16 فبراير 2011، «إجمالي ضحايا الثورة التي شهدتها بلاده في 25 يناير الماضي بـ 365 قتيلاً و5500 مصاب، بحسب التليفزيون الرسمي». وفي مايو من العام 2013 كشف تقرير نشره العديد من مواقع الإنترنت، نقلاً عن صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن «إحصاءات صادمة للجريمة عقب الثورة المصرية، حصلت عليها من وزارة الداخلية، (تشير إلى) تضاعف حالات الخطف بهدف الحصول على فدية والسطو المسلح وسرقة المنازل، إضافة إلى سرقة السيارات وجرائم القتل، فقد تصاعدت سرقات المنازل، وهي مشكلة قديمة حديثة في مصر، من قرابة 7 آلاف حالة إلى أكثر من 11 ألفا. وتضاعف السطو المسلح 12 مرة، من 233 حالة عام 2010 إلى قرابة 3 آلاف حالة سطو عام 2012. وارتفعت حالات سرقة السيارات في مصر حوالي 4 أضعاف، من قرابة 5 آلاف سرقة الى أكثر من 21 ألف حالة عام 2012. ووصلت حالات القتل، لأسباب متعددة وما يتبعها من خطر على المصريين، إلى أكثر من ألفي حالة سنويا، بما في ذلك الضحايا الذين سقطوا في التظاهرات، بعد أن كانت تلك الأرقام لا تزيد عن ألف حالة سنوياً قبل الثورة». ليس القصد من وراء سرد تلك الأرقام التشهير أو الاستهجان العاطفي، بقدر ما هو الإشارة إلى أن التغيير، وهو ما فجر الأوضاع العربية لا يمكن أن يأتي مجاناً، ولابد من ثمن يدفعه من يدعو له، ومن يناصره، وعلى قدم المساواة، من يرفضه وينتصب واقفاً ضده. هذه سنة الكون، وهذا هو منطق التاريخ الذي حكم تطور المجتمعات البشرية، بما فيها تلك الغربية التي تنعم اليوم بأرقى أشكال الديمقراطية، وأكثرها عراقة، والتي لا يكف من يدعون للتغيير عن الاستشهاد بالحالة المدنية الراقية التي وصلت إليها. ويمكن أن نبدأ بالثورة الفرنسية، الأولى التي استمرت من يونيو 1793 وانتهت في يوليو 1794، والتي عرفت بدمويتها، حيث قدرت بعض المصادر «عدد القتلى بحوالى 18000، وعدد الجرحى، بما يربو على 65000 (من الولايات المتحدة) عدد القتلى: أكثر من 141000، ومجموع عدد الضحايا حوالى 1 إلى 2 مليون». وينقل موقع جريدة «الاتحاد» الكردية ترجمة لتقرير يقول حول العنف الذي سيطر على تلك الثورة التي كانت بداية لتغييرات جذرية شملت القارة الأوروبية برمتها، وعبرت تأثيراتها المحيط الأطلسي، كي تؤثر على المنطلقات والمسارات التي عرفتها الولايات المتحدة حينها، بأن «الإرهاب قد وصل ذروته بإعدام الاف المواطنين الذين تدينهم محكمة باريس الثورية وكان من جانب آخر نتيجة لإصرار روبسبير على مدى العلاقة العميقة بين الإرهاب والفضيلة، جهود روبسبير لبناء جمهورية فاضلة انتهت بسلسلة من الإعدامات». ووصل الأمر إلى إطلاق صفة «حكم الإرهاب «Reign of Terror»، والمقصود به «الفترة الأخيرة من شهور الثورة الفرنسية التي غاب فيها المنطق وتولى زمام الأمور فيها ماكسميليان روبسبير Robespierre الذي يعد بحق واحداً من أشهر السفاحين الذين أنجبتهم البشرية». ولم يكن الأمر مقتصراً على القارة الأوروبية، ففي آسيا، وفي مرحلة الحروب الدينية التي سادت الصين، تشير بعض المصادر إلى أنه «بسبب رغبة جزء كبير من الشعب بتعديل الديانة البوذية وإضافة بعض الأمور من المسيحية إليها، قادHong Xiuquan تمرداً وسيطر على الحكم وأراد أن يمحو كل الأديان التقليدية وغير السماوية كما رغب بشن حرب خاصة على سلالة تشينغ التي حكمت الصين في ذلك الوقت، ولكن القوات الفرنسية والبريطانية دعمت سلالة تشينغ واستمرت الحرب لمدة 15 عاماً انتهت بهزيمة Hong Xiuquan وفقدان ما يقرب من حياة 20 مليون شخص». وعودة للحالة العربية، ومن خلال قراءة سريعة للثورات العالمية التي أشرنا إلى البعض منها، يكتشف المتابع، أن الأمور ماتزال في بداياتها في المنطقة العربية، وطالما أن التغيير قادم لا محالة، نظراً للظروف القائمة في هذه المنطقة، فمن المنطقي أن نهيئ أنفسنا لتضحيات جسام، ليس ما شاهدناه إلا، وكما يقول المثل، أول قطرات الغيث، خاصة إذا ما أضفنا إلى العوامل المحلية الداعية للتغيير، العنصر الدولي الذي لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي متفرجاً على تحولات تشهدها منطقة حيوية واستراتيجية بالنسبة له مثل الولايات المتحدة. مرة أخرى ليس القصد هنا الترويج لمسلك العنف، ولا الدعوة لبذل المزيد من التضحيات غير المبررة، لكن يبدو أن العنف هو التوأم للتغيير. وعليه، فربما علينا أن ندفع ثمناً باهظاً لأي تغيير نطمح أن نراه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها