النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

خيانة المثقف للأمانة والأمة.. مواعيد جديدة مع الحر

رابط مختصر
العدد 8864 الأربعاء 17 يوليو 2013 الموافق 8 رمضان 1434

أزداد قناعة مع مر السنين، بأننا في الوطن العربي متطرفون في العشق ومتطرفون في الكراهية، متطرفون في الحلم وفي الفكرة، في القول وفي الفعل، بل إن تطرف (العامة) هو من تطرف النخب، وهذه المعادلة ليست جديدة في تاريخ أمتنا، بل تضرب في القدم عميقا..فعندما التفت ابن أبي داود إلى المعتصم قائلا: (هو والله يا أمير المؤمنين ضالٌ، مضلّ، مبتدع) محرضاً السلطان على قتل أحمد بن حنبل، كان ذلك إعلاناً عن ردة الموجة العقلانية في التاريخ الإسلامي، وخيانة المثقف المستنير للفكر وللأمانة والأمة، ولذلك تكررت هذه المأساة في كل يوم عبر تاريخنا - منذ ذاك الإعلان -هذا يكفر ذاك وذاك يكفر هذا.. والكل يحصر النجاة في فرقته الناجية وحزبه الخارق ومذهبه المتفرد، ونظرته الثاقبة، وحكمته المتعالية.. جرني إلى هذا الحديث مقال قرأته لمثقف عربي حول الأزمات المستشرية في الوطن العربي، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية، حيث كتب صراحة: «إن مشاكل العرب ليست ميتافيزيقية، وإنما اقتصادية سياسية عاجلة فحسب الناس تبحث عن لقمة العيش، هذا همهم وهذه قضيتهم وما عدا ذلك فلا أهمية له». وأول ما يثيره كلام من هذا القبيل أن أهم ما يفتقده عدد من مثقفينا هو شمولية النظرة، ولهذا تراهم كلما حدثت أحداث أو قامت انتفاضات واحتجاجات، انشغلوا بها وبأهدافها وأسبابها القريبة والمباشرة، ولم يغوصوا في أعماقها وخلفياتها فيبقى الحدث معلقاً بلا أرضية وبلا جذور، وغالبا ما يأتي التحليل سطحيا مسطحا، او مؤولا على قياس المنظومات الأيديولوجية التي ينتسبون إليها. صحيح أن الشارع العربي يتحرك ويثور وينتفض عندما يتعلق الأمر بالزيادات في أسعار المواد الأساسية، والتي تمس حياته اليومية، وتؤثر عليها بشكل يحد من قدرته على العيش الكريم، ولكن من المؤكد أيضا أن طغيان هذا الهم الاقتصادي في وجدان الناس وفكرهم وانشغالتهم هو جزء من حياة مليئة بالانشغالات الأخرى التي لا تقل أهمية عن الهم الاقتصادي الاجتماعي المباشر، فالهم الاقتصادي – على الأقل من منظور المثقف- لا يجب أن ينسينا عمق الأزمة وتعدد أبعادها، فالجسم المريض تكثر أوجاعه، وكلما تموضعت في عضو من الأعضاء ظن المصاب أنه العضو المعتل الوحيد، ثم يكتشف بعد ذلك غير ما توصل إليه من استنتاج سريع، عندما ينتقل الألم إلى عضو آخر، وكذا المجتمعات المريضة حضارياً، تنفجر أزماتها تباعاً، وفي كل مرة يتوهم المتابع أن الداء واحد، فتتخذ الإجراءات العملية وتتوالى التنظيرات، وفجأة يغطي انفجار جديد على ما تقدم، ويطيح بالجهد السابق ويسمح لوهم جديد بالولادة، وهكذا نظل ندور في حلقة مفرغة من التنظريات والتحليلات التي لا تسمن ولا تغني من جوع. ولا أدري هنا لماذا يحدث التعارض بين الثقافة (والميتافيزيقيا) وبين الاقتصاد والسياسة والفكر؟ أليس لكل اقتصاد ثقافة، ولكل سياسة منطلقاتها الثقافية؟ أليست المصيبة في البلاد العربية أننا حاولنا جاهدين- في كثير من الأحيان ومن خلال العديد من النماذج التنموية المنقولة حرفيا- إقامة نمط اقتصادي اجتماعي يتعارض في أهداف وطبيعة وأسس الثقافة المحلية وخصوصياتها وبناها العميقة، وهو ما تسبب في صراع بين الوفد والداخل الذي يتم الحط منه بدلا من الارتقاء به، يحدث ذلك في الثقافة، وفي الاقتصاد، وفي المعمار وفي الصناعة، وحتى في الملابس والديكورات والمأكل والمشرب والفنون بكافة أشكالها. إن الشعارات الخالية من المحتوى المحلي(الوطني والقومي) إذا لم ترتكز على ثقافة أصلية، ومتضمنة لعناصر التفوق والتميز، فستبقى شعارات مهزوزة، وغير معبرة عن طموحات الناس، بل ستبقى غريبة عنهم، ويبقون غرباء عنها، بالرغم من جميع الظاهر. ولنفترض جدلاً أن الأحداث التي شهدتها وما تزال تشهدها بعض البلدان العربية خلال سنوات الغليان القليلة الماضية، قد أكدت- مثلما يزعم وينظر البعض من الكتاب والمثقفين- نظرية: «لا صوت يعلو فوق صوت الخبز»، بما يعني أن مشاكل هذه الشعوب اقتصادية- اجتماعية، بالدرجة الأولى، فهل مثل هذا الافتراض أمر إيجابي على إطلاقه، وعلى المثقفين مباركته مثلا؟ أم أنه يعكس حالة من عدم التوازن أو التقليل من مستوى طموحات وتطلعات هذه الشعوب التي بقدر ما تريد «الخبز» فهي تريد الكرامة والحرية.. لو صحت مثل هذه الفرضية، فسوف يكون من المحزن حقاً أن نختزل طموحات شعوبنا بأكملها في الجوانب المعيشية رمزا وأملا وثقافة وتطلعا، فالشعوب كلما تقزمت اهتماماتها سهل استعبادها،وكلما تعاظمت طموحاتها، وكبرت أشواقها، كانت أقدر على البقاء والاستمرار والبناء والانجاز، والأمثلة من حولنا في العالم شاهدة على ذلك. واعتقد أخيرا أنه ما لم يفترق الفكر عن السيف، والعقل عن العاطفة، والتحليل المستقبلي الواعي عن التهريج وإطلاق الأحكام جزافاً، وما لم يفترق العمق عن السطحية، والجدية عن الاستخفاف، فلن تبنى حضارة، ولن تتغير صورة الانحطاط، وسوف تكون لنا مواعيد جديدة مع الحرفية والرجعية والطائفية البائسة ومع المزيد من الاستبداد والتخلف، وهذا ما يؤكده الواقع للأسف فحتى صناديق الاقتراع التي عولنا عليها كثيرا لتكون مدخلا للديمقراطية لإعادة إنتاج.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها