النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

ديمقراطية الإخوان

رابط مختصر
العدد 8864 الأربعاء 17 يوليو 2013 الموافق 8 رمضان 1434

في الحقيقة أني لست متأكدا بعد كل هذا الزمن الذي مضى على إعدام سيد قطب الذي كان -غفر الله له- اسما على مسمى؛ إذ هو بحق قطب رحى التطرف في فكر الإخوان المسلمين، حتى إن صفة الجناح القطبي التي يوصف بها جزء مهم من الإخوان المسلمين قد تكون مصدر فخر لهم لأن في ذلك ما يحسسهم بفخر الوفاء، أو قد تجعل من يوصفون بهذا الوصف يتوارون خجلا بمجرد أن أحدا يخاطبهم بهذه الصفة، أو أن ذلك لا يضيف لهم شيئا بناء على ما شهده فكر بعض الإخوان من تغيرات كادت تقطع مع الأصول البنوية والقطبية. هذه مجرد تساؤلات مع النفس أطلقتها اللحظة الفارقة في التحولات الهائلة في فهم المواطنين العرب والمسلمين في العموم لفكر الإخوان المسلمين، وهي تساؤلات بالمطلق الإنساني ينبغي أن تكون مشروعة على أي حال، وقد لا يكون الأمر كذلك إذا ما تناول الإخوان المسلمون ذواتهم بالتفكير والمساءلة، فالجماعة نجحت في بناء قمقم انغلقت فيه إلى حد جعلها لا ترى الحقيقة خارج هذا الإطار المغلف بسجف المقدس ونواميس التكفير، فهل تراها بعد هذا تتيح لمن يتوجه إليها بمثل هذا الخطاب أمانا عقديا أو فكريا أو حتى جسديا يجعله في مأمن من عنف ردة فعل قد تكون ماحقة مزلزلة؛ خصوصا وأن جماعة الإخوان المسلمين ككل تنظيمات الإسلام السياسي يدّعون امتلاك الحقيقة المطلقة، وذلك عطفا على ما يتوهمونه من أن كل مخالف لهم إنما هو خارج عن ملة الإسلام، أو أن إسلامه مشكوك فيه، رغم أن حركتهم تعد تيارا سياسيا وليس اتجاها فقهيا. رأيت في هذه المقدمة مدخلا ضروريا للحديث عن الثورة المصرية في تحولاتها من مرحلتها الأولى التي أنهت حكما مستبدا أناخ طويلا على قلوب الشعب المصري إلى المرحلة الثانية التي استرد فيها هذا الشعب فرض خياراته الثورية، وحرر السلطة من الإخوان المسلمين الذين جاءوا من الظل ليغتصبوها. غير أن المشكلة التي واجهت الثوار المصريين هو أن مغتصبي الثورة استندوا في مقاومتهم إلى قوة الديمقراطية التي هم يؤثثون كل أحاديثهم بمفرداتها للدفاع عن الشرعية التي أوصلت محمد مرسي إلى كرسي الرئاسة، في ظروف تاريخية ملتبسة أرى أن المؤرخين والمحللين سيقفون عندها طويلا لمعرفة الإجابة عن سؤال واحد وحيد، هو «هل فعلا صوّت المصريون للإخوان المسلمين في الانتخابات المبكرة من عمر الثورة ردا على نظام الرئيس السابق حسني مبارك وتحصينا للثورة الوليدة منه؟» والسؤال السالف يطرح نفسه عندي، على سبيل المثال، عندما أستحضر مشهدية الجماهير التي ملأت الميادين والشوارع والأزقة في الثلاثين من يونيو مطالبة بخلع الرئيس الإخواني من على كرسي اغتصبه في مشهدية ديمقراطية تذكرنا بتلك التي نال بها هتلر الحكم في ألمانيا ليؤسس واحدة من أبشع الدكتاتوريات في تاريخ البشرية. إن وجود الإخوان المسلمين في الساحة المصرية والعربية دائم ومؤثر منذ ثمانين عاما ولا أحد يستطيع إنكار ذلك، لكن أن يحكموا هذا الشعب أو غيره من الشعوب العربية ففي ذلك ما فيه من علامات التعجب وحتى الاستنكار خاصة إذا ما دار الحديث عن مصر، إذ أن مصر ليست أفغانستان، كما أنها ليست مثل غزة أيها القارئ الكريم، فهي حاضنة العرب التي نشرت التعليم والثقافة والتحضر منذ مشروع محمد علي الكبير. فمصر في التاريخ الإنساني معروفة بأنها حضارة شاهقة السمو، شامخة الحضور، وثقافة عبقرية نهلت منها الحضارات الأخرى في كل المعمورة. هذه الحضارة وهذا الشموخ وهذه العبقرية التي تجتمع كلها في شخصية مصر تمر اليوم بمنعطف تاريخي تجر معها جراحها، إنها صرخت من وجع قد ألحقه بها تيار سياسي كان يشكو التهميش والإقصاء فلما دانت له السلطة أخذ يُمارسُ ضد الآخرين ما كان يُمارسَ ضده. فهل يُعد ذلك كفرا مثلما يشيع قادة الإخوان المسلمون وكوادرهم الشابة؟ من وجهة نظري الشخصية، إن ما جرى في مصر هو شيء متطابق مع الذي حدث في البحرين مع اختلاف بعض التفاصيل، ومن أهم هذه التفاصيل البُعد الطائفي الذي ميز الحراك في البحرين. فبالبحرين حاقت مؤامرة كبرى انبرت لاحتضانها جمعيات مذهبية ادعت تمثيل مكون من المكونات الاجتماعية، بعد أن فشلت في لعب دور ممثل الشعب، وإن من أفشلها هو تعاضد أدوار اجتماعية مختلفة مع الحكومة. الشعب البحريني اختار أن يلتف حول قيادته، فاضحا كل الشعارات المذهبية التي رفعها من تسموا بالـ»ثوار»، مثلما اختار الجيش المصري أن يلتف حول الشعب المصري. عندما يدور الحديث عن الديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان، وهي مفاهيم وجدناها صدفة وقد طرأت محل دفاع مستميت عند الإخوان، هناك سؤال ملح يطرح نفسه «هل يمكن للشعوب العربية أن تعوّل على الإخوان المسلمين، أو أي من التيارات الدينية الأخرى أن ترتقي بها إلى ممارسة الديمقراطية بكل ما يترتب على ذلك من التزامات حقوقية ومواطنية؟ في اعتقادي أن من يدعو إلى العنف لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يكون ديمقراطيا، إلا إذا ارتحل الديمقرطية مطيةً من أجل ذلك مثلما فعل إسلاميو الجزائر؛ لأن العنف، ببساطة، حالة لا تظهر، في تقديري، إلا عند من تستوطنه حالة حب الذات، وإقصاء الآخر وعدم قبول ذاك الآخر شريكا له في الوطن، وإن قبله فإنما قبوله يقع تحت طائلة التهميش. لهذا تجد كل التيارات السياسية سواء الإيديولوجية منها، يسارية كانت أم يمينية، أو الدينية، شيعية كانت أم سنية، منغمسة في حالة العنف ولن تخرج منها إلا مكسورة مثلما حدث ويحدث في تجارب المسلمين المعاصرة. أن تتصف حركة الأخوان في عمومها بهذا العنف، ويستبيح الإخوان ساحات المحروسة وزقاقها بكل ما أوتوا من وسائل العنف الهمجي المتوافرة لديهم التي لا تدخر كرامة للإنسان المصري الذي يشهد له التاريخ بقدرة هائلة في ثني المعوقات الطبيعية والبشرية مهما كانت درجة فولاذيتها؛ ليعبر ببلده إلى شواطئ الأمن والرقي الإنساني فهذا في ذاته جزء من مسار تاريخي يقتضي من الجسد المصري أن يصاب بشيء من الحمى ليتخلص من بثور إخوانية وأخرى غيرها. وإذا صح أن الإخوان المسلمين قد اختطفوا المواطنين المصريين، رجالا ونساء، شيبا وشبابا وأطفالا؛ ليزرعوا مليونية مصطنعة في رابعة العدوية، فإن ذلك يشير إلى جموح أخلاقي ينبغي أن يدفع كل المنتمين إلى هذا التيار السياسي إلى مراجعة قناعاتهم؛ لتصحيح مسارهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها