النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

«الأسود يليق بك»

رابط مختصر
العدد 8861 الأحد 14 يوليو 2013 الموافق 5 رمضان 1434

من شدة إعجابه بروايتها «ذاكرة الجسد»، يتساءل شاعرنا الكبير نزار قباني قائلا «هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تكتبني) دون أن تدري؟ لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء بجمالية لا حد لها وشراسة لا حد لها.. وجنون لا حد له.. الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور بحر الحب وبحر الجنس وبحر الايديولوجيا وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها وأبطالها وقاتليها وسارقيها». ثم يضيف قائلا «ولو ان أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر. لما ترددت لحظة واحدة». أما الرئيس الجزائري الراحل أحمد بن بله، فيرى «إن أحلام مستغانمي شمس جزائرية أضاءت الأدب العربي». تلك كانت انطباعات حول ما كتبته أحلام مستغانمي التي تطل علينا اليوم برواية «الأسود يليق بك». يمكن تناول رواية أحلام مستغانمي الأخيرة هذه من ثلاث زوايا مختلفة، لكنها متكاملة: الأولى أدبية إبداعية محضة، بعد تجريدها من بعديها السياسي، والاجتماعي. إذ تنجح الكاتبة في تحويل العلاقة بين «هالة الوافي»، و»طلال هاشم»، من مجرد لقاء بين مغنية شابة تنحدر من أسرة جزائرية فقيرة، تحمل فوق كتفيها الكثير من قيم الثورة الجزائرية التي ورثتها من أبيها، مع الثري العربي طلال هاشم الذي يتوهم أن في وسعه اسقاط جميع حواجز تحقيق رغباته الذكورية، بالأسلحة المالية التي بين يديه، إلى صور أدبية متلألئة، تصف فيها عواطف هالة المتأرجحة بين حب جارف يستولي على عواطفها، وكرامة أنثوية ترفض المساومة عليها، فنجدها تذهب بعيدا في تلك العلاقة، لكنها لا تلبث أن تعود كي تشعر طلال بأن رماح أمواله تتكسر أمام أسوار قلاعها التي تقف شامخة تدافع عن أنوثة متوهجة، تفرض شروطها في رسم تلك العلاقة، بما فيها رفضها أمواله التي لم يكف عن إبداء استعداده لبذلها تقربا منها. وتطعم أحلام «الأسود يليق بك» بمجموعة من الصور الأدبية المفعمة بالانفعالات الجياشة تنثرها في ثنايا «حركات الرواية الأربع»، فتكون بذلك كمن ينثر باقة من الزهور على قرائها، حين تقول: الثورة تأكل أبناءها.... والحب يأكل عشّاقه. الحبّ لا يُعلن عن نفسه، لكن تشي به موسيقاه. لا أحد يُخيّر وردة بين الذبول على غصنها… أو في مزهرية. متعة الطريق تفوق متعة الوصول، وانتظار الأشياء أكثر شهوة من زهو امتلاكها. الحب هو ذكاء المسافة… ألا تقترب كثيرًا فُتلغى اللهفة… ولا تبتعد طويلاً فتُنس. كنا نريد وطنا نموت من أجله صار لنا وطن نموت على يده. يعرف الناس ثمن الأشياء ولكن لا يعرفون قيمتها… العنوسة قضيّة نسبيّة. بإمكان فتاة أن تتزوّج وتنجب وتبقى رغم ذلك في أعماقها عانسًا، وردة تتساقط أوراقها في بيت الزوجيّة». أما البعد الثاني وهو السياسي، فيستقيه القارئ من المقاطع المتناثرة، في بعثرة تبدو أنها مقصودة، عندما تسترجع هالة مقاطع تصف من خلالها الأوضاع السياسية المتردية في أكثر من دولة عربية، فقد لقي والدها حتفه على أيدي «الارهابيون في حماة زمن الرئيس حافظ الأسد، وكان مطربا قتلوه عن غير ذي حق، كانت لحيته هي شبهته، فقد دخل الجيش إلى حماة لينظفها من الاسلاميين، فمحاها من الوجود.... كما قتل اخوها بعد ذلك». تجسد أحلام المذابح السورية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي في تجربة والدتها الذاتية حيث تقول «لقد عاشت أمها الفاجعة نفسها في سنة 1982 يوم غادرت وهي صبية مع والدتها وإخوتها حماه، لتقيم لدى أخوالها في حلب، ما استطاعوا العيش في بيت ذبح فيه والدهم، وهم مختبئون تحت الاسرّة. سمعوا صوته وهو يستجدي قتلته، ثم شهقة موته وصوت ارتطام جسده بالأرض، عندما غادروا مخابئهم بعد وقت، كان أرضا وسط بركة دم، رأسه شبه مفصول عن جسده، ولحيته مخضبة بدمه». وقبل ذلك، كان هناك أيضا خروج والدة البطلة هالة في الرواية من الجزائر رغبة منها في حماية ابنتها من موت يترصدها، “ليس من الجيش الذي يقتل الابرياء بشبهة إسلامهم. بل من الارهابيين الذين يقتلون الناس بذريعة أنهم أقل إسلاما مما يجب.» وتعرج مستغانم على العراق حيث كانت «أمها تجد في هم العراق ما ينسيها همها، فجل وقتها تقضيه أمام الفضائيات الاخبارية لمتابعة مسلسل الغزو الامريكي وسقوط بغداد.... وعن سجن ابو غريب، وفضيحة تعذيب الجيش الامريكي للأسرى العراقيين». ويظهر البعد الثالث، لمن يحاول أن يقرأ الرواية من الزاوية الاجتماعية، التي تنقشها الكاتبة من خلال سلوك الثري طلال الذي لا يكف عن التأكيد «بانه يحترم زوجته ولن يتخلّى عنها، (لكنه لا يتردد في اصطياد) عشيقة سرية يبحث فيها عن لذات العيش. هي عشيقة رغم الشاعرية في التصرف معها لكنه رجل شرقي، يحلم في الحريم من حوله ويعتبر هذه الصورة الخيالية الحالمة هل هي من حقه كرجل شرقي حصل على هذا الحق بواسطة امواله والأنكى بواسطة ذكوريته». بالقدر ذاته تحدد مستغانمي زاويتها الاجتماعية في النص، من خلال التناقض في سلوك هالة، هذه الفتاة العربية “التي رغم تربيتها المحافظة واخلاقها وتشبثها بالشرف والعفة، هذه البطلة لا مانع لديها ان تسافر مع عشيقها الى عواصم غربية مثل باريس وفيينا وان تنام معه في غرفة واحدة وسرير واحد ورغم كل هذا التصرف ترى انها قد حافظت على شرفها وعفّتها بغشاء الشرف؟ «رغم ذلك لم تسلم الرواية من بعض الملاحظات السلبية، التي وإن كانت لا تنتقص منها، لكنها تستحق التوقف عندها، وهي تلك التي أوردها مولود بن زادي بشأن الأخطاء اللغوية التي لا تليق أن ترتكبها كاتبة عملاقة مثل أحلام مستغانمي، والتي كان من المفترض أن تنتبه لها دور النشر التي أصدرت الرواية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها