النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

فنانون وساسة.. ومتزمتون

رابط مختصر
العدد 8859 الجمعة 12 يوليو 2013 الموافق 3 رمضان 1434

لم يكن حشد الفنانين المصريين الذي شارك في التظاهرات التي شهدتها القاهرة في الأسبوع الماضي للمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، هو أول مشاركة لهم في حدث من هذا النوع، إذ كان بعضهم قد شارك من قبل في اعتصام يناير 2011 الذي شهده ميدان التحرير.. لكن الحشد هذه المرة كان أكثر عددا، ولم يتوجه الذين شاركوا فيه فرادى إلى الميدان ولكنهم تجمعوا أمام مكتب وزير الثقافة الذي يعتصم فيه عدد من كبار الفنانين والكتاب والمثقفين منذ أكثر من شهر لنفس الهدف وساروا على أقدامهم عبر شوارع جزيرة الزمالك، لينضم إليهم أكثر من خمسة عشر ألفا من المواطنين، وعندما وصلوا إلى مبنى دار الأوبرا اكتشفوا أن الميدان قد اكتظ بمن فيه، وأن التظاهرات التي سبقتهم قد توقفت عند المبنى فدخلوا إلى ساحته واعتصموا فيها. وعلى عكس ما حدث في ثورة يناير حين أعلن عدد من الفنانين انحيازهم إلى النظام السابق وعبروا عن موقفهم علنا وتعرضوا ـ بسبب ذلك ـ لحملات إعلامية ساحقة شارك فيها عدد من زملائهم الذين انحازوا إلى الثوار انتهت بإدراجهم في قوائم «الفلول» ودعت إلى مقاطعة أعمالهم ودفعت المنتجين إلى التخوف من تقديم أعمال جديدة لهم وتخفيض أجورهم فإن أحدا من الفنانين لم يدافع هذه المرة عن النظام ربما لأن النظام لم يبق له صديق، من بينهم أو من غيرهم، وربما لأن رأس الذئب الطائر يعلم الجميع، بمن في ذلك الفنانون، الحكمة. وفي الحالتين دهش البعض لمشاركة الفنانين في مثل هذه الأحداث الخطرة، فالفكرة الشائعة عنهم لدى هؤلاء أنهم فئات مترفة لا تعاني أي مشكلة ولا تقلقها أي أفكار من أي نوع، تعودت أن تقف دائما على الحياد، وألا تقحم نفسها في أي صراع عام، بخاصة إذا كان صراعا سياسيا ليس فقط لكي تقي نفسها من تقلبات السياسة لكن ـ كذلك ـ لأن الفنان يسعى دائما لإرضاء كل الأطراف، لذلك تعود أن يقف على الحياد بين المتصارعين في أي مجال، وألا يبدي رأيا، أو يتخذ موقفا يعلن به انحيازه لأي فريق، حتى لو كان فريق كرة قدم، حتى لا يخسر مكانته لدى أنصار الفريق الآخر، وباستثناء الصراع الشخصي الذي يتولد من المنافسة بين الفنانين الذين يعملون في مجال واحد، فإن الشعار الذي يرفعه الفنان عادة إذا نشب خلاف يتعلق بأمر من أمور الفضاء العام هو: لا أرى.. ولا أسمع.. ولا أتكلم!والحقيقة أن منطق هؤلاء الفنانين لا يخلو من بعض وجاهة، وهم ينطلقون من رؤية تنطلق من القول المأثور «كل ميسر لما خلق له» ويعتقدون أنهم يؤدون دورهم العام ويقومون بواجبهم تجاه الشعب والوطن من خلال أعمالهم الفنية وأن إقحامهم لأنفسهم في الصراع السياسي المباشر يعرضهم لمخاطر لم يؤهلوا أنفسهم لها، كالاعتقال أو النفي، أو حظر إذاعة أو بث أعمالهم الفنية، فيعجزون عن أداء الدور الذي يسروا لأدائه، والذي يصب في النهاية في مسيرة تقدم واستنارة الشعوب. لكن الفنانين المصريين لم يأخذوا بهذا المنطق في اللحظات الحاسمة من التاريخ المصري، وكانت أول مظاهرة يشتركون فيها أثناء ثورة 1919 التي انطلقت شرارتها الأولى في أعقاب ذيوع خبر نفي الزعيم «سعد زغلول» الذي وقع مئات الألوف من المصريين على توكيلات تنيب عنهم في السعي لتحقيق استقلال مصر استقلالا تاما فاشتعلت التظاهرات في كل مكان وأغلقت الحوانيت وتوقفت المواصلات العامة من الترام إلى الحمير التي كانت وسيلة شائعة من وسائل المواصلات وزحف جنود جيش الاحتلال البريطاني بأسلحتهم إلى كل حارة من حواري القاهرة. في هذا المناخ ظلت مسارح القاهرة تمارس عملها وتقول السيدة «فاطمة اليوسف» في مذكراتها: إن الممثلين كانوا يقفون على المسرح يؤدون أدوارهم وأصوات الرصاص والقنابل في الخارج تغطي عليهم، وليس في الصالة سوى متفرج واحد، وعلى الرغم من أن سلطات الاحتلال كانت قد حظرت المظاهرات، فقد قرر الممثلون أن يخرجوا في مظاهرة، ولأن المسرح كان هو النشاط الفني الأبرز وربما الوحيد الذي عرفته مصر آنذاك، فقد خرجت كل فرقة من المسرح الذي تعمل فيه، وقد حملت علما كبيرا والتقت الفرق كلها في ميدان الأوبرا أمام فندق الكونتننتال، وكان بين السائرين ألمع ممثلي المسرح آنذاك: «جورج أبيض» و«عزيز عيد» و«نجيب الريحاني» و«زكي طليمات» والكاتب المسرحي «محمد تيمور» وكل من كان يعمل في المسرح ممثلا كان أو مخرجا أو عاملا، وكان بعضهم يلبس ملابس عربية أو فرعونية وتقدمت المظاهرة عربة يجرها حصانان، استقلتها الممثلتان الوحيدتان في المظاهرة وهما «ماري إبراهيم» و«روزاليوسف» التي اعتزلت الفن بعد ذلك، وأصدرت مجلة أسبوعية باسمها لاتزال تصدر حتى اليوم وانغمست في السياسة حتى أذنيها، حتى نسي البعض أنها كانت ذات يوم «برديماونة» فرقة رمسيس وأن النقاد أطلقوا عليها لقب «سارة برنار» الشرق، في إشارة إلى ألمع ممثلات المسرح الفرنسي في ذلك العصر، وتجمع حول المظاهرة ـ كما تضيف «روزاليوسف» في مذكراتها ـ عدد كبير من الناس وسارت تقطع ميدان الأوبرا ومن حولها تسعى جنازات الشهداء وصيحات الجماهير، وبعد طوافها عادت مرة أخرى إلى مسرح برنتانيا الذي تحول فيما بعد إلى «مسرح رمسيس» ثم «مسرح الريحاني». وخلال ما يزيد على 90 عاما مرت منذ ذلك الحين تغيرت الدنيا، عرفت مصر فنونا أخرى غير المسرح كالسينما والتلفزيون والإذاعة وأنشئت فيها أكاديمية للفنون تخرج فيها عشرات الألوف من الفنانين في كل الفنون وكل الفروع يجمعون بين الموهبة والدراسة الأكاديمية وانضم إلى المشتغلين بالفن بالآلاف من خريجي الجامعات واهتموا بالسياسة وأبدوا فيها آراء واتخذوا مواقف من الأحداث من دون أن يلقوا بالا إلى تأثيرها على جماهيريتهم. ما أدهشني أنني لم اقرأ في كل المصادر التي روت واقعة مظاهرة الممثلين أثناء ثورة 1919 أن أحدا قد وصفها بأنها مظاهرة «مشخصاتية» ولكني سمعت رجل دين متزمتا يقول في إحدي القنوات الفضائية إن مشاركة الفنانين في المظاهرات التي خرجت في القاهرة أخيرا، تدل على أن الذين شاركوا فيها هم مزيج من الفلول والبلطجية والرقاصين! لحظتها فقط عرفت سرّ إصرار الفنانين على أن يشاركوا في هذه التظاهرات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها