النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

لا يصلح العطار ما أفسده الدهر!

رابط مختصر
العدد 8859 الجمعة 12 يوليو 2013 الموافق 3 رمضان 1434

يتميز سكان شرق آسيا عموما، وسكان شبه القارة الهندية خصوصا بشعر الرأس الكثيف إلى الحد الذي لا تجد معه صلعانا بينهم إلا فيما ما ندر. بينما الحال في غرب آسيا هو العكس بمعنى وجود طائفة كبيرة من الصلعان كليا أو جزئيا. لا نعرف الأسباب! وحتى لو عرفناها فليس هذا مكان عرضها ومناقشتها. لكن باعتباري أحد الصلعان جزئيا فإني لا أجد حرجا في تناول الموضوع. حاول الكثيرون في المجتمعات الغرب آسيوية، وتحديدا الخليجية منها، إخفاء صلعاتهم بارتداء الباروكة، لكن هذه الباروكة كانوا يستعملونها قديما في الخارج، أو حيثما لا يعرفهم أحد كمدينة «بمبي» الهندية مثلا التي كانت وجهة السواد الأعظم من الرعيل الخليجي الأول لأغراض التجارة والسياحة والدراسة والاستشفاء، ويتجنبون لبسها في الداخل تجنبا للسخرية و«الطنازة» أو الازدراء، خصوصا وأن رأي الشرع في ارتداء الرجال للباروكة هو التحريم لأن فيه تشبها بالنساء، بينما رأيه في ارتداء النساء لها يتراوح ما بين التحريم والجواز. فالحنابلة مثلا يحرمونها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة»(أخرجه البخاري) على الرغم من أن الحديث هنا يدور حول وصل النساء شعورهن بشعور غيرهن، وبالتالي لا علاقة له بالباروكة. والحنفية يجيزونها بصفة عامة، والشافعية يجيزونها للمتزوجة بإذن الزوج، والمالكية يجيزونها في حالة وضعها فوق الرأس دون وصلها بالشعر. تقول الموسوعات العربية والاجنبية إن الباروكة تصنع من شعر الحصان، أومن الشعر الآدمي، أو من الشعر الصناعي، وبعضها يصنع من صوف الخراف او شعر الجاموس، وإنها تستخدم لأغراض إضفاء الجمال والشباب والحيوية على من تقدم بهم العمر ففقدوا شعورهم الطبيعية أو تستخدم في المناسبات الدينية كبديل عن شعور اضطر أصحابها لحلاقتها تمشيا مع طقوس دينية معينة، وأن أول ظهور للباروكة بين العامة كان في بريطانيا في حدود عام 1675 للميلاد. غير ان المطلع على التاريخ القديم يكتشف بسهولة أن أول من استخدم الباروكة هم الفراعنة وذلك بغية تغطية رؤوسهم الحليقة أو اتقاء لأشعة شمس مصر الحارقة، وأنهم كانوا يثبتونها باستخدام نوع من الصمغ المستخرج من عسل النحل، وتبعهم في ذلك الآشوريون والفينيقيون والإغريق والرومان بحسب ما تظهره تماثيلهم وآثارهم ورسوماتهم المنقوشة على جدران معابدهم، ثم انتقلت بسقوط الامبراطورية الرومانية، إلى الدولة العباسية في عصرها الذهبي حينما كانت مجتمعاتها منفتحة على ثقافة الآخر وتقاليده الاجتماعية دون حرج، قبل أن تـُبعث مجددا مع مولد القرن السادس عشر. وتقول الروايات التاريخية إن أول امرأة لبست الباروكة من النساء صاحبات السلطة هي الملكة البريطانية إليزابيث الأولى التي تولت الحكم ما بين عامي 1558 و1603 وقد اختارت باروكة مصنوعة من الشعر الأحمر المصمم وفق التسريحة الرومانية. أما من بين أصحاب السلطة الذكور فكان أول من ارتداها هو الملك البريطاني تشارلز حينما كان منفيا في فرنسا أي قبل أن يعتلي العرش في عام 1660. على أن أشهر شخصيتين لبستا الباروكة من الحكام كانتا الملك الفرنسي لويس الثالث عشر (حينما بدأ شعر رأسه بالانحسار في عام 1624 ) وابنه وخليفته لويس الرابع عشر الذي حكم ما بين عامي 1628 و1715 . وفي القرنين التاسع عشر والعشرين انتقلت ظاهرة ارتداء الباروكة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نجد أن أول خمسة رؤساء من رؤسائها - ابتداء من الرئيس الأول جورج واشنطون وحتى الرئيس الخامس جيمس مونرو – وضعوا الباروكة على رؤوسهم. وشهد هذان القرنان أيضا انتشار ظاهرة ارتداء الباروكة بين المحامين والقضاة والبرلمانيين في بريطانيا وإيرلنده ودول الكومنولث البريطاني من أجل إضفاء الهيبة والوقار والتميز على صورة ومكانة أصحابها. كل ما سبق سرده من معلومات لم يكن سوى مدخل للحديث عن توثيق تاريخ الباروكة بحرينيا، بمعنى التعرف على أول من استوردها من التجارالبحرينيين، وأماكن بيعها في البحرين، وأكثر من كان يقبل عليها، ومعرفة مراحل الاستغناء عنها لصالح زراعة الشعر، واستعراض بعض القصص والطرائف المصاحبة لاستخدامها. وبطبيعة الحال تختلف الروايات حول كل المحاور سالفة الذكر دون وجود رواية أكثر رجحانا، وبالتالي قادرة على حسم الأمر وخصوصا لجهة أول من ارتدى الباروكة من عموم المواطنين، وهو موضوع حساس اجتماعيا، ولا نود الخوض فيه. فمن قائل إن أول من أدخلها إلى البحرين وتاجر فيها هم أصحاب «متجر صدري» في المنامة الذي كان يقع داخل زقاق متفرع من بدايات شارع باب البحرين المسقف، وكان يبيع الأدوات المستعملة في الخياطة والحياكة والماكياج والزينة، إلى قائل إنهم أصحاب متجر صغير كان يدعى بـ «متجر أسوو» ويقع خلف معبد الهندوس في المنامة، إلى قائل إن أول من باع وسوق الباروكة في البحرين هم أصحاب «الصالون الأخضر». لكن هناك من ينسب الأمر إلى «مؤسسة تراكو» التي كان موقعها في شارع صعصعة مقابل مطابع النجاح بالمنامة قائلا إنه كان يستورد الباروكات من لبنان في أوائل السبعينات بألوان ومواصفات مختلفة، وأن أكثر زبائنه كن من السيدات المصريات. أما صديقنا الأخ يوسف بوخماس (أبوهشام) صاحب الشعر الغزير - اللهم لا حسد – فيزعم أنه هو أول من أدخل الباروكات إلى البحرين، وكان يبيعها في بداية الأمر كسلعة تــُستخدم في الحفلات التنكرية مثل حفلات الهالووين وما شابهها. ويضيف قائلا إنه فوجئ لاحقا بإقبال منقطع النظير عليها من قبل السيدات الأثيوبيات والأفريقيات بعد السماح لهن بدخول البحرين للعمل فيها، الأمر الذي دفعه إلى مواجهة الطلب المتزايد من هؤلاء الباحثات عن إخفاء شعورهن الطبيعية بشعور أخرى ناعمة وجذابة باستيراد كميات أكبر من الباروكات باشكال وألوان مختلفة كي تناسب جميع الأذواق. هذا عن باروكات النساء، فماذا عن باروكات الرجال؟ الرأي الأرجح هو ما سبق وأن ذكرناه وهو أنه لم يكن هناك في البحرين من الرجال في الماضي من يتجرأ على ارتداء الباروكة خوفا من أن يتحول إلى مادة للسخرية والتندر في الفرجان والمجالس، لذا لم تتواجد في الأسواق والمتاجر باروكات خاصة للرجال. غير أن أحد الأصدقاء أسرّ لي باسم شخص قائلا إنه ابتاع ذات مرة باروكة نسائية من السوق في المنامة وحملها إلى الحلاق الباكستاني «غلام تشودري» طالبا منه تقصيرها وتشذيبها بعناية فائقة كي تتحول إلى باروكة مناسبة للرجال. ويضيف الصديق أن هذا الشخص لم يكن يظهر علنا بباروكته، وإنما كان يخفيها بسرية تامة، ولا يضعها على رأسه إلا أمام المصور في «ستوديو خلفان» من أجل أن يلتقط له الأخير صورة شبابية جميلة لإرسالها إلى مجلات هواة التعارف. وما فعله هذا الشخص هو التدليس المحرم شرعا بعينه لأن فيه غش واضح للآخر. كان هذا هو الحال في الستينات مع ظهور صرعات الشعر وفق موضة فرقة البيتلز البريطانية، فكيف صار في العقود اللاحقة؟ مع ظهور موجة إطالة الشعر حتى الكتفين عند الشباب في السبعينات، وما رافقها من توسعة عرض البناطيل عند القدمين وتضييقها حول الساقين والخصر، وتخصير القمصان مع فتح ازرتها إلى مستوى البطن، ولبس الأحذية عالية الكعبين صار بإمكان، من يريد من الرجال، أنْ يستخدم الباروكة النسائية دون حرج. ولما كانت البحرين في تلك الحقبة بلادا منفتحة على مختلف الصرعات الوافدة، وخالية من الجماعات المتشددة التي تتدخل في خصوصيات الناس وتجبرهم على خيار واحد، على نحو ما كان جاريا وقتذاك في بعض الدول الشقيقة المجاورة، فإن شبابنا وشاباتنا «أخذوا راحتهم» بالكامل لجهة ما يختارون لأنفسهم من ملابس ومظاهر ووسائل ترفيه وترويح. في هذه الحقبة أتذكر، ويتذكر معي الكثيرون من أبناء جيلي شخصا كان يضع شعرا مستعارا فوق صلعته، لكنه كان شعرا مختارا بعناية يصعب معه التفريق بينه وبين الشعر الطبيعي أي على غرار الشعر المستعار لوحش الشاشة «فريد شوقي» ثم لاحقا الشعر المستعار للفنان القدير «عزت أبوعوف». لكن ما فضح صاحبنا وجعله مادة للتندر عند بعض الفضوليين من الشباب هو أن لون شعره وطريقة تصفيفه وبريقه كان ثابتا لا يتغير بمرور الأيام والسنين. لاحقا، وتحديدا منذ أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، تحول الصلعان، ممن كانوا يبحثون عن استعادة ألقهم وشبابهم المنحسر بفعل عوامل التعرية والتقدم في العمر، إلى زراعة الشعر بدلا من ارتداء الباروكة التي عادت إلى أصحابها الأصليين وهم النساء. وفي هذا السياق لا بد من التطرق إلى شخص عــُرف لدى الكثيرين بالنصب والاحتيال والمراوغة والنذالة والتسكع في المجمعات التجارية والفنادق ومناهلها من أجل المعاكسة، رغم ثقل دمه ودمامة خلقه وقباحة صلعته. هذا الشخص، حينما اكتشف أن لا طائل من وراء معاكساته، غاب عنا لبعض الوقت في أوائل التسعينات ثم عاد إلينا فجأة بـ «نيولوك» مثير كان أبرز ما فيه اختفاء صلعته القبيحة كليا. وبينما كان الرجل فرحا مختالا بمظهره الجديد، خصوصا وسط من لم يسبق له معرفته من الصبايا والحسان، كان بعض الفضوليين لا يتركونه في حاله، ويكثرون من الأسئلة حول صلعته الغابرة وكيفية اختفائها فجأة.. هل تضع شعرا مستعارا؟.. هل أجريت عملية لزراعة الشعر؟ ما نوع الحيوان الذي استعاروا شعره لزراعته فوق جمجمتك؟ لابد ان بينك وبين هذا الحيوان صلة قرابة، وإلا لما قبلت صلعتك شعره!.. هل تغسل شعرك بطريقة اعتيادية أم أن عليك اتخاذ احتياطات معينة؟ وهكذا! إزاء هذا السيل المنهمر من الأسئلة الحاملة في طياتها للسخرية، كان رد صاحبنا النصاب إن الفضل في ما هو عليه من مظهر جديد جذاب هو لله سبحانه وتعالى أولا، ثم لدواء سحري حصل عليه في بريطانيا لفرك جلدة الرأس يوميا! لكن لأن الرجل اعتاد النصب و»التشليخ» دون حياء فإنه ظل يتهرب من كل من كان يسأله عن اسم الدواء السحري المزعوم. وتمر السنوات ويظهر الرجل مجددا، لكن هذه المرة في صورة رجل الاعمال الذي يعود اليه الفضل في تأسيس عيادة بحرينية مرخصة لزراعة الشعر بالتعاون مع أخصائيين بريطانيين، ويكثر ظهور صوره وهو يروج لهذه العيادة ويدعو الصلعان إليها لكي يعيدهم عشرين سنة إلى الوراء على حد زعمه. أما الغريب فهو أن الكثيرين صدقوا الرجل، رغم علمهم المسبق بحكايات نصبه واحتياله المتكررة، ليتفاجأوا بعد فوات الأوان أن عمليات زراعة الشعر التي أجريت لهم في عيادته كانت فاشلة أو تسببت لهم في الحروق والالتهابات والتشوهات. فصدق من قال «لايصلح العطار ما أفسده الدهر».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها