النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

حول تدني لغة التخاطب.. التدمير المنهجي للبنية التو

رابط مختصر
العدد 8857 الأربعاء 10 يوليو 2013 الموافق 1 رمضان 1434

الإعلام إما أن يكون بناء وإما أن يكون هدّاماً، وذلك وفقاً للوظيفة التي يراد له تأديتها، ومن الواضح في الحالة الراهنة أن قسما من هذا الإعلام يعمل بلا هوادة على تكريس وتعزيز الانقسام المجتمعي، الطائفي والسياسي، والأسوأ من ذلك ظهور عوارض عن انحطاط أو تدن في مستوى التخاطب، مثل (تبادل السباب والاتهامات المنحطة، واستخدام معجم البذاءة والحط من القيمة الإنسانية للأشخاص، بدلا من التوجه إلى نقد الأفكار بتجرد ونزاهة..). والأمر لم يعد يتعلق بالإعلام المحلي لوحده، والذي يفترض مبدئيا خضوعه لشروط ومقتضيات الحريات الإعلامية، والتي تقتضي تجنب إثارة النعرات أو التعرض للنظام العام أو التحريض على العنف، بل وصل الأمر إلى الإعلام الخارجي الذي أصبح جزء منه منفلتا تماما من كل سيطرة، وكذلك الشأن بالنسبة لإعلام التواصل الاجتماعي الذي لا يخضع حاليا لأي رشد، حتى اختلط الحابل بالنابل وأصبح المتلقي يعيش دوامة حقيقة من «البث» غير الرشيد والذي يحفر أخاديد في الذات والعقل والنفس معا. وظاهرة تدني مستوى التخاطب السياسي والإعلامي يرتبط في جانب منه بما تشهده الساحة الإعلاميّة من حراك على مختلف الأصعدة، يشوبه خلط وفوضى وإسفاف، في العديد من الأحيان، خصوصا عندما يكون الإعلام سجين الرؤية الفئوية - الطائفية، يظهر ذلك في بعض أعمدة الصحف، وفي بعض المقالات، وفي نوعية المعالجة الخبرية وفي الصور وحجم التغطيات وفي بنية الخطاب الإعلامي إجمالا، سمعيا بصريا كان أو إلكترونيا او صحفيا، بما يعني أننا في حاجة إلى مزيد من الترشيد الذاتي المهني والأخلاقي في ذات الوقت( دون ضغط خارجي على ضمير الصحفي أو على عمل المؤسسة الإعلامية) بما يجعله يغلب المهنية والنزاهة عن كل اعتبار آخر.. فإذا كان المجتمع المحلي قد شهد في بعض المراحل من تطوره السياسي والاجتماعي بعض الخلافات السياسية حول طبيعة المجتمع والقيم الناظمة له، أو حول السياسات والأولويات الاقتصادية والاجتماعية، فإن الخطاب السياسي والإعلامي بقي غالبا محافظاً على الحد الأدنى من الموضوعية في المضمون والتهذيب في الأسلوب، ولكن خلال الأزمة التي شهدتها البحرين، وحتى اليوم، تم تجاوز الخطوط الحمراء وبعض ثوابت الخطاب الوطني، واستطاعت التعبيرات الطائفية البذيئة والمشاعر غير المفلترة أن تجد تعبيراتها الجديدة في الخطاب الإعلامي، وخصوصا الخطاب الإعلامي – الاجتماعي «الغريزي»، ولذلك أصبح بعض ما نسمعه أو نقرؤه اليوم من تصريحات، وتتولى وسائل الإعلام نقله مؤلما في تعبيره عن العصبية الطائفية التي أصبح لها امتدادها الإقليمي، واستغلها حتى الغرب لتمرير مصالحه وشق الصفوف. إن مهمة وسائل الإعلام هي أن تنقل صورة صادقة عن الواقع، وتتولى تبصير الرأي العام بما يجري في الحياة السياسية، لذلك لا يمكن أن تلام على نقل الخبر، أو الحقائق كما وقعت، إذا ما تثبتت من صحتها، وإذا كان هناك من لوم على وسائل الإعلام، فهو ما يتصل بما يعتري «إبداء الرأي» من تحريف للوقائع، ليبنى على هذا التحريف الموقف السياسي، وهذا ما أصبح منتشرا بشكل مفجع، إلى درجة أنه قد تم تصنيف الصحف والقنوات الإعلامية الفضائية على أساس طائفي وسياسي، بعيدا عن التصنيف المهني، وأصبح التضليل والفبركة والاجتزاء من أخص خصائص هذا الخطاب الجديد، وهذا أمر لم نعهده في المراحل السابقة، بما يهدد بتفاقم الأوضاع السياسية، بدلا من أن يعمل الإعلام على المساعدة على تهدئة الأوضاع والوصول إلى الحلول المنشودة التي تؤمن وحدة المجتمع وسلمه الأهلي، ونشر قيم التسامح والحرية، فهذا التوجه نحو التصعيد وتبادل الشتائم والتخوين، لا يساعد في الوصول إلى حل الأزمات، بل من شأنه أن يفاقمها، ويتغذى هذا الاحتقان يومياً بالتصريحات الحادة وبالمهرجانات والمؤتمرات الصحافية الاستعراضية، التي تكون في الغالب مناسبة سانحة لاستعرض «الجمناز» اللغوي وفن الهجاء والتعيير والانتقاص من الآخر. وللأسف، أنه وبحكم كون الوسائل الإعلامية منقسمة بدورها طائفيا وسياسيا، فإنها تدخل إلى كل بيت حاملة معها هذا الانقسام بل وتتولى تعميمه وتعميقه وشحذ الغرائز الطائفية وبث روح الكراهية• وبالتأكيد فان الكلمة الحادة تؤسس لنقل الانقسام إلى الشارع وإلى ترجمة ذلك بغرائز متفجرة وبمتاريس متقابلة وبكراهية غير مسبوقة. من المؤكد في النهاية أن الحل ليس بيد الإعلاميين في أغلب الأحيان، وإنما هو بيد السياسيين والزعماء الدينيين الأكثر تأثيرا في المجتمع، عندما يكونون مدركين ان التصعيد وفقدان الرشاد في الخطاب السياسي، يؤدي حتما إلى تدمير منهجي للبنية التوافقية في المجتمع، حتى نصل في يوم من الأيام إلى استحالة الجلوس مع بعض إلى أي طاولة للحوار، والأذى عندها سيعم سوف يشمل الجميع، دون استثناء. جملة مفيدة «الإعلام المعاصر يشن حملة هجومية على القناعات المستقرة والأفكار الثابتة، فهو لا يعمل إلا بعد إخلاء المكان تمام من أي ثوابت، وتهيئته لبناء القناعات الجديدة عبر أسلوب هندسة الانطباعات».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها