النسخة الورقية
العدد 11147 الأربعاء 16 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:09PM
  • العشاء
    6:39PM

كتاب الايام

المسعفون رسل أمن وسلام..

رابط مختصر
العدد 8856 الثلاثاء 9 يوليو 2013 الموافق 30 شعبان 1434

إن الجهد الذي يضطلع به المنقذون والمسعفون في الكوارث والحروب والاضطرابات السياسية وخاصة في فلسطين وسوريا الواقعة تحت وطأة النظام الدكتاتوري الفاشيستي، جهد يضاهي في أهميته جهد المقاتلين الذين يواجهون الموت في أية لحظة، فهم يتعرضون لشتى المخاطر والكمائن التي ينصبها العدو الإسرائيلي أو العدو الفاشيستي لمن يواجههم مقاتلا بالسلاح أو أعزلا، ومع ذلك لا يتراجعون أو يترددون أو يشيحون بأجسادهم عن الأجساد التي أصيبت بمقتل أو تعرضت لإصابات بليغة أو خفيفة جراء الإعتداء، إنهم ينطلقون كالسهام في وجه الرصاص والقصف من أجل إنقاذ هذه الأجساد، ويستعينون بشتى السبل من أجل إسعافها واستعادة الحياة أو بعضها إلى أرواحهم، ولا يتوقفون عن مزاولة الإنقاذ والإسعاف مهما كان حجم الجثث أو المصابين، ولا تعرف عيونهم الغفوة أو النوم، إنهم يقظون وكأنهم كائنات ألفت عيونهم السهر مهما تعاقب عليها الإجهاد والتعب والإعياء.. إنهم يمضون إلى (الضحية) دون خوف من أن يكونوا هم في اللحظة ذاتها عرضة لأن يكونوا ضحايا، ينتشلون الأجساد ويدفعون بها في سيارات الإسعاف ويتوجهون بها إلى المشفى أو المأوى، ويعودون ثانية لانتشال أجساد أخرى في الوقت الذي توجه آخرون منهم بسيارات الإسعاف أو سياراتهم الشخصية المتواضعة إلى المشفى أو المأوى الذي غص بالقتلى والمصابين وتعذر ربما إسعافهم عسى أن يكون الوقت كفيلا بتهيئة مرافق ولو متواضعة لإنقاذ ما تبقى من رمق للحياة في أرواحهم.. لم يتوقف جهدهم عند هذا الحد، بل أنهم إزاء هذه الكارثة يدخلون في مفاوضات مع رجال الحدود ومع الجنود الإسرائيليين أو مع من يتربصهم من الشبيحة الذين يعترضون درب سيارات الإسعاف، وذلك من أجل تلبية نداء الواجب الوطني والإنساني، يحاولون فلعل في المحاولة ما يفسح بعض الهواء للدخول إلى رئة بعض من يغالبه الموت في الطريق.. يبكون ويغضبون ولا ترى من ذلك شيئا باديا على قسماتهم، كل الذي ينبغي أن يمنحوه لمن انتشلوهم ابتسامة أو أملا فلعلها تسعفهم على تحمل العلاج أو درب سيارات الإسعاف المتجهة إلى المشافي والمآوي، ربما يكلون أو يرهقون ولكنهم يستميتون من أجل ألا يلحظ الآخر عليهم مثل هذا الإرهاق أو الكلل كي لا يعتقد أنهم ضجرون من مهامهم الإنقاذية والإسعافية المناطة إليهم، يخيم الظلام ويسود دخان القصف ولكنهم مضطرون لأن يقاوموا هذا الظلام وهذا الدخان بعيونهم المدربة على السهد واليقظة حتى يبدو لمن لا يعرفهم بأنهم كائنات أسطورية خلقت ضد الموت من اجل منح الحياة للآخرين.. لم تكن أجسادهم مهيأة لحمل الجثث الثقيلة أو الخفيفة أو الممزقة أو المحترقة أو المشوهة تماما فقط، إنما أجسادهم مهيأة لأحمال أخرى لا تقل ثقلا عن هذه الأجساد وإن كانت وجدت من أجلها، إنهم لا يهرعون إلى موقع الكارثة دونما معدات الإسعاف أو ما يسعفهم في أضعف الإيمان في إزاحة ركام الأنقاض عن بعض الجثث والمصابين، هذا إلى جانب تحملهم مشاق لملمة أشلاء الجثث وفرزها بسرعة للتعرف على الضحية، أجسادهم تتجاوز معقول وفانتازيا الصورة اللهاثية البرقية التي نراها عبر الفضائيات، إنها لا تستريح ولا تهدأ وزمانها يتجاوز المرئي والمسموع في الفضائيات، زمن يمتد في الموت والحياة ولا يتوقف عندهما.. ربما يبدو الأمر عاديا للآخرين في لحظات وحالات الإنقاذ والإسعاف الطارئة والسريعة، ولكن حين يتعلق الأمر بالحروب والمجازر، فالأمر يبدو مروعا وخرافيا، إذ إن كل نأمة في جسد المنقذين والمسعفين تتحرك وتستيقظ وتستنفر أقصى طاقتها التي يستهلكها الإنسان العادي ربما في سنوات، إننا نراهم في غير طبيعتهم، أحيانا ملطخين بدماء من يسعفونهم وكأنهم المصابين، وأحيانا نراهم يهرعون في ساحة الكارثة وكأنهم يبحثون عن من ينقذهم أو يسعفهم، حالاتهم معجونة بالدماء والكارثة والأمل في آن.. أتخيلهم سمعوا كل أنين وعويل وحشرجات واستغاثات القتلى والمصابين دون استثناء، وأحسبهم يعرفون كل ضحايا المجزرة واختزنوا آلامهم وفدحهم وآلام وفدح أهاليهم وأقربائهم أيضا، إنهم وطن يقاتل بقلوب من حب ورحمة من أجل إنقاذ الوطن كله وليس ضحايا منطقة فحسب، إنهم في قلب المجزرة حتى في غياب أهل المقاومة، بل لعلهم في الكارثة هم المقاومون الحقيقيون والوحيدون للعدوان ولصواريخ قصفه. هؤلاء هم المسعفون الأبطال حقا الذين نأو بأنفسهم وبواجبهم عن انحياز ذواتهم لإنقاذ فئة معينة أو طائفة بعينها دون غيرها، أو أسهموا عمدا في التشفي من عذابات من يحتاج إنقاذهم في لحظة المحنة والكارثة والأزمة، فتحية لهم من القلب هؤلاء المقاومون الأبطال في ساحات الكوارث والمحن..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها